وإذا كنت والمنى فيك * فما حاجة الورى للأماني
وقد بلغنا خبر الحركة ، المقرونة باليمن والبركة ، فمرحبا بالأماني والأمان . وسقيا ورعيا لهذا الزمان . وذلك بمجرّد بشارة ، ومحض عبارة في إشارة . وأما خبر الوصول والحصول فموجب الذّهول للعقول ، فلا ندري عنده ما نقول . وبالجملة فحسبنا منك لحظة ، ودعنا نوجم فلا نلفظ بلفظة . فالله تعالى لا يحرمنا منها ، ويصرف جميع العوائق والموانع عنها . فلعمري إنها النّعمة التي لا نقوم بشكرها ، وما زلنا من حين التّرعرع في طيب ذكرها . والدعاء . ثم ورد دمشق فدخلها في يوم أخذ زينته بزينة ، ولم يبق ذو جسم إلّا والبشرى ملء قلبه والمهابة ملء عينه . فأشرقت بنوره أرجاؤها ، وامتدّ به أملها ورجاؤها . وهرعت إليه أبناؤها من وجوه ناسها ، يردون حضرة احتوت من المحاسن على أنواعها وأجناسها . فيتفاءلون بتلك الطّلعة التي تقرأ منها نسخة الحسن ، وتلمع في أساريرها أشعّة النّجاح واليمن . فيبشّرهم بابتسامه ، قبل أن يبشّرهم بكلامه . ويحيّيهم بالنّجح بإشارته ، قبل أن يترجم لهم بعبارته . فيشاهدون حظّا أقبل في معرض الكمال ، وطالع سعد قد طلع عليهم بنيل الآمال . وكنت أنا ممّن سارع إليه ، أسرع من الكرم لطرفيه . فاستخلصني لولائه اللّازم واللّازب ، وربطني بإحسانه المتراكم المتراكب . فما توانت لي في قصده مدّة الإقامة قدم ، ولم يعطّل لي مذ شاهدته في ثنائه قلم . وهو ، حجب الله تعالى العيون عن كماله ، وجعل اتّفاق اليمن مقرونا بيمينه وانتظام الشّمل معقودا بشماله . [ الطويل ]
سقانا به الله وبل الحيا * فإنّا إذا ما دعينا سقينا
ثم انصرف والأهواء معه ، والثّناء يملأ سمعه . والأبصار على مرآه تزدحم ، والأفواه على تقبيل يديه تقتحم . فالله يعضده بتوفيقه ، ويجعل السّعد حزبه ورفيقه . وقد وصلتني منه نسخة كتاب إثر وصوله ، تقضيني الوفود عليه ، والمثول لديه ، وها هي : [ الخفيف ]
هل تناسى عهد المودّة أهله * أو حليف الجوى تجافاه خلّه
والهوى الكامن الذي ملك اللّبّ * وما حال عن فؤادي محله
أتراه يرعى وتقضى حقوق * والمشوق العميد يجمع شمله
يا رعى الله طيب عهد ليال * بحبيب يجلّنا ونجله
ما أراها إلّا كطيف خيال * مرّ بي مسرعا وما شيم مثلّه
إن أبهى ما نطق به لسان اليراع ، وأشهى ما تشنّفت بدرره الأسماع ، سلام يخجل الرّبى في أويقات البكور ، ويزري بما تحمّلته الصّبا من نشر الزّهور . أرقّ من دمعة المشتاق ، وأصفى من الصّهباء بما تضمّنه من مكارم الأخلاق . وأشجى من لوعة العشّاق ، ريثما تطاولت الأعناق للعناق . وتحيّات زكيّة ، ومحبّة صادقة صدّيقيّة . أتحف بها ترجمان