تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
بمحاسن الصّفات وتهذيب الأسماء واللّغات أعلى مراتب الأدب ، إلّا قطرة من عبابها الذي ليس له نهاية ، وشذرة من عقد صحاحها الجوهريّ اللّامع سناؤه لأبصار ذوي الفضل والدّراية . ومجمل القول فيه أنّه عين أرباب الفضائل ، وتاج مصادر العرفان وصدر الأفاضل . لا زال صاحب الحماسة والسّماحة ، وقوله المغرب في نقد الشّعر المطرب مرجعا لأهل البلاغة والفصاحة . أما بعد ؛ فإنّ اللّه تعالى عزّ وجل لمّا علم ما وهبكم من الكمالات السّنيّة ، واختار لكم من المقامات الزّكيّة ، خالط أرواح العلماء بمحبّتكم ، وجعل قوام أمزجتها مزيد مودّتكم ، حتى لقد كادت أشباحهم تسابق النّسور إلى أعتاب عزّتكم . خدمة ومحبّة ، وتوجّهات قلوبهم لم تزل ملازمة لأبواب سعادتكم شغفا ورغبة . وعند المحبّ بما يعلم اللّه تعالى من الشّوق ، ما هو فوق الطّوق . ما هبّت شمال وصبا ، إلّا مال إليها وصبا . على أنّ ملاك هذا الأمر كلّه سرّ التّوالف بالعوارف المؤكّدة ، المشار إليها بقوله صلّى اللّه عليه وسلم : « الأرواح جنود مجنّدة » .

332 - ولده زين العابدين

هذا الأستاذ في العباد ، كمصر حرسها اللّه تعالى في البلاد . فكما هي محتوية على العالم الأكثر ، فهو وله الفضل منطو على العالم الأكبر . وإذا حقّقت فما هي إلّا عبارة عن ناديه ، وما أصابع نيلها إلّا من فضل أياديه . محامده تخلّدها أقلام الأقدار ، بمداد الليل في قرطاس النهار . وترسمها حداة القطار ، في مسالك الأقطار ، وبتذهيب الأسفار . وزمانه هديّة الفلك ولطفه ينبئ عن خلق الملك . وناديه فائدة كلّ فؤاد ، وجاره أمنع من جار أبي دؤاد . ألسنة الثّناء بفضله منطلقة ، وأيدي الرّجاء بحبله معتلقة . وأياديه لا تزال تنشئ غضّ الأمل المقتبل ، وأياديه عالية على الأيدي فلم يعلها من شيء إلّا القبل . فما قبّلت له الأفواه كفّا ، إلّا لرؤيتها بحرا تطلب منه رشفا . [ الطويل ]
سقى الله بحرا منه بالنّيل لم يزل * يفيض لراجيه ندى ورغائبا وحيّى زمانا فيه غرّه وجهه * تحيّة صوب المزن يروي السّحائبا
وكان قبل أن يشرّف الشام بحلول قدمه ، ويحييها بيمن طالعه الذي أضحت سعود الفلك من جملة خدمه . لم تزل أخباره حظّ القلوب والمسامع ، وآثاره حلية الأفواه ورونق المجامع . فتشتاق النفوس إليه شوقه لإسداء الجميل ، وتشتهي لقاه شهوته سبق عطائه التّأميل . إلى أن عزم على زيارة القدس الشّريف ، وحلّها فكسا بقاعها حلّة الابتهاج والتّشريف . ثم عنّ له النّهوض إلى دمشق لرؤية معاهدها ، والتّملّي حينا بمشاهدة مشاهدها . فجرّت بهذا العزم ذيل الفرح ، وتسربلت برداء الجذل والمرح . وودّت أن يركب النّجم السّيّار ، ويمتطي الفلك الدّوّار . لتقرب حركته ، وتعود عليها
نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 244 | محمد أمين المحبي