تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
وأهمل الصّادين : إبراهيم ، وإسماعيل وهما إماما الصناعة وهماما البراعة واليراعة . بهما فخر من نطق بالضّاد ، وبسببهما حسدت الحروف الصّاد . وله كتاب « الرّيحانة » الذي ذيّلت عليه ، واقتبست نور الهدى بتوجّه رغبتي إليه . وما أنا بالنّسبة لما أبدعه ، ولما جئت به ممّا كان الأحرى بي أن لا أدعه ، إلّا كمن جارى الحصان بالأتان ، وواجه الغزالة بالذّبالة ، وقارع الحسام بالعصا ، وبارى الدّرّ بالحصا . ذاك لا يستحسنه الإدراك ، حتى تصاد الشّهب بالشّباك ، وتتقدّم الفكّة على السّماك . ولقد وصف كتابه بما أغناني عن وصفه ، وهذه حالي معه إذا أردت التّطرية أتيت ببدائع رصفه : فهذه ذخائر من « خبايا الزّوايا ، فيما في الرجال من البقايا » تنفّس الدهر به عن نفحة عنبريّة ، وهبّت بها أنفاس ندّيّة نديّة ، تنفّس الرّوض في الأسحار ، بأفواه العبير عن ثغور النّور والأزهار . من كلّ شذرة تهزأ ب « قلائد العقيان » ، وكلّ زهرة لها من السطور أفنان . وكلّ فريدة يقرّ لها بالنّفاسة الجميع ، وكلّ منقبة إذا وعى ذكرها السامع وعبق قيل : [ الوافر ]
أمن ريحانة الدّاعي السّميع * . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومما اقتضاني أن أثبته في وصفه ، ما قاله البرهان الباعونيّ الشّامي ، في حقّ لسان الدّين بن الخطيب والتّنويه بقدره السّامي ، وقد رأى كتابه « الريحانة » ، وهو به أشبه ، وما أظنّ تقاربهما خفي أو اشتبه : صاحب كتاب « الريحانة » ، آية من آيات الله سبحانه . لوجه أدبه طلاقة ، وللسانه ذلاقة ، وللقلوب به علاقة ، وفي خطّه غلاقة . قلت : وأيّ غلاقه يعرفها من عرف اصطلاحه بمطالعته ، وينفتح له باب فهمها بتكرير مراجعته . فليتأمّل الناظر إليه ، والمقبل عليه ، ما فيه من الجواهر ، والنّجوم الزّواهر ، بل الآيات البواهر . وليسبّح الله تعجّبا من قدرته جلّ وعلا ، ومذاهبه التي عذب ماؤها النّمير وحلا . وليقل عند تأمّل درّه النّظيم ،
ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ *
[ الحديد : 21 ] . انتهى . وله « ديوان شعر » وقفت عليه بخطّه ، فأثبتّه بخطّي ، ولم يمكنّي على ما فيّ من الملال التّجافي عنه والتّخطّي . ويكفيك من شعر لو سمعه النّابغة ما نبغ ، أو ابن صفوان لم يبلغ من صفاء وقته ما بلغ . ولو جاراه الجعديّ لاعترف بالخرس ، أو الأسديّ لانصرف عن صفة الفرس . وأنا الآن قد قصرت النّظر على آثاره ، من نظامه ونثاره ، وحسبي ذلك من منحة الحظّ وإيثاره . فما على من بلغ من التّملّي بآدابه أربا ، أن ينبت جسمه بعد أن يصير ترابا أدبا . وأسأل الله أن يجعله ممّن فاز بالنّجاة ، ويهيّئ له من خزائن فيوضاته رحمته المرتجاة . وهنا أورد من نثره العالي ما جمع الحسن أجمع ، وأتبعه من شعره الغالي بما لم تر أجود منه ولا تسمع . فمن فصوله القصار ، قوله : إن ساعدا زيّنته بسوار المنائح ، يمري لك ضروع الثّناء والمدائح . ولك وارف