تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
الدّرّة الفاخرة ، والرّوضة التي تفتّحت فيها عيون أنواره الزّاهية الزّاهرة . ظنّا منه أني شعيب مدينته ، وما أنا إلّا سلمان بيته ، بل أشعب موائد كرمه ومنّته . فإذا هو برد محبّر ، وروض وعقد كلّه جوهر . وكتاب جميعه مفردات ، ولغة لو رآها الجوهريّ قال : هيهات العقيق هيهات . أو الخليل بعينه ، فداه ب « عينه » . أو جار الله لقال هذا هو « الفائق » ، أو ابن البيطار ودّ لو طابقه مطابقة النّعل بالنّعل لما فيه من الدّقائق . أو صاحب « القاموس » لقال : هذا المجد ، الذي ارتضع درّ العربية ما بين تهامة ونجد . فلله درّ مصنّفه فقد أرانا في الرجال بقايا ، وفي الزّوايا خبايا . وأنار فكره ظلمة الجهل وقد وقد ، وروى ظمآن الفكر فيما ورد وردّ وحقّق ما قيل : من دقّ الباب ولج ومن جدّ وجد . وقد قلت فيه ارتجالا : [ م . الكامل ]
دهر يجود بمثله * أنعم به دهرا وفي روّى بكأس علومه * وختامة مسك وفي
وكتب إلى بعض إخوانه وقد توعّك : [ الوافر ]
كفاك الله ما تخشى وغطّى * عليك بظلّ نعمته الظليل
أعزّ الله أنصار فيّاض الكرم والحسب ، وحمى بعزّته معالم العلوم والأدب . وأبقاه محروسا من هجوم الخطوب ، محفوظا بسور منيع من إحاطة القلوب . وأصوات حرس الدّعاء مرفوعة ، وسدّته بحجاب الصّنائع ممنوعة . والدهر وإن كان ذا غير ، ومن تفكّر اعتبر ، فكيف يتسلط عليه بآلامه ، وهو لا يتسلط على آيادي إكرامه . فإن همّ به ونعمته متتابعة عليه ، صدّق قولهم : اتّق شرّ من أحسنت إليه .
أتهدي له الأيام سقما وإنما * مساعيه في أعناقهنّ قلائد
على أنه إن اعتلّ المجد والكمال ، وإن مرض فقد مرضت الأماني والآمال ، بل القلوب والأرواح ، فإذا دعونا له دعونا لأنفسنا بالصّلاح . وربّ مريض لا يعاد ، وإن كان لا يحرم الأجر مريض الفؤاد . ولا أقول كما قيل : [ البسيط ]
يا ليت علّته بي غير أنّ له * أجر العليل وأنّي غير مأجور
ولا كما قيل : [ الطويل ]
وفيناك لو نعطى الهوى فيك والمنى * لكانت بك الشّكوى وكان ذلك الأجر
وقد سمعت بفصده للباسليق ، وأنه قد بكى دما عرقه العريق . [ المتقارب ]
فهاك اعتلالك يبكي دما * وتضحك في جسمك العافية
وكان قيل : عرق الصّحّة له في كلّ منبت شعرة عين باكية ، تبكي بمدامع العرق على فراق العافية . وإن ببكاء عرق الصّحّة أضحك الله ثغور مسرّته ، كما ضحكت تباشير الهنا بصحّته . وهنّأ الله الوجود ، بسلامة الكرم والجود . فلا زال كوكب سعده