تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣

الباب السّابع في غرائب نبهاء مصر

لا زالت محروسة عن طوارق كلّ همّ وأصر وهي أمّ الدنيا الولود ، وكوكبها السّعد الأكبر فلذا قوي بها طالع المولود . تبرّجت تبرّج العقيلة دون ساتر ، فأوقفت الناظر دون محاسنها وهو باهت حائر . فإن كان الهرمان نهدين في صدرها ، فإن الخليج والعهد به منطقة في خصرها . كلّ قطر يشتاقها فهو يتمنّى لو صدّق فيها الخبر العيان ، وكم هواء صار لها رمالا فهو إذا مرّ خطّ في رمل الكثبان . وناهيك ببلدة فضّلها الله ورعاها ، وأخرج منها ماءها ومرعاها . وأسعد مطالع أنوائها ، فاهتزّت وربت مساقط أندائها . إن بارت تجارة فإليها تجلب ، أو عزّت نفيسة فمنها تطلب . فلذا ترغب النفوس في جوارها ، وتنفسح الآراء بين أنجادها وأغوارها . وقد جمعت ما ولد سام وحام ، واشتدّ بها الالتحام والازدحام . واحتوت الآن على جلّ أبناء يافث ، من كلّ صنديد في عقد الملمّات نافث . فهي كرسيّ الأمراء والأعيان ، وقرارة السادات الذين يكلّ عن حصر معاليهم نطاق البيان . وخزانة كتب العلوم ، والآثار المنبئة عن أصالة الحلوم . إلى الأبنية المحاذية للأفلاك ، والمراقي التي كاد أهلها يسمعون تسبيح الأملاك . وفيها المقاصر والقصور ، والمقاعد التي عليها الحسن مقصور . ومن محاسنها الزاهرة المناهج ، البرك التي استوعبت رونق المباهج . وخصوصا إذا وفّاها النّيل حقّها ، ورأيت المناظر حولها وقد أحكمت نسقها . فهناك تقول : ما أبهجها ، ويقول القائل : ما أحقّها . [ البسيط ]
انظر إلى برك في مصر اتّسقت * بها المناظر كالأهداب للبصر كأنما هي والأبصار ترمقها * كواكب قد أداروها على القمر
وبالجملة فهي بالنّيل تجرّ على البلاد الذّيل والرّدن ، ولها بذلك المزيّة التي ما نالها مدينة من المدن . وأحسن محاسنه عشيّاته المذهبات ، التي لم تزل لأحزان القلوب مذهبات . فمن رآه مال طربا من غير مميل ، وعرف سرّ قوله : وممّا يزدهيني ضحك البدر في وجه النّيل . إلى غير ذلك من المعاهد والغيطان ، والفرج التي تنسي الغريب الأوطان . ومن عرف مقادير الأشيا ، ونازل الأطلال والأحيا ، عرف أن هذه البلدة واحدة بسيط الأرض ، وحساب خيراتها الدّارّة لا ينفد إلى يوم الحساب والعرض . وقد خرج منها واحد بعد واحد ، شهرة فضله كالشمس لا تنكر ولا تجحد . فكأنه النّيّر الأظهر ، أو الجامع الأزهر . خلّدت ذكرهم الدّواوين المسطّرة ، وسرت في محامدهم الأنفاس المعطّرة . فمنهم :