329
- شهاب الدّين أحمد بن محمد الخفاجيّ
أوّل من عددت ، وأجلّ من أعددت . أقول فيه لا مبالغا ، ولست لأداء بعض حقّه بالغا : لأن تطاول السماء وتفرع ، وتشبّر البسيطة وتذرع ، وتزاحم أفلاك الكواكب بالمناكب ، ويتعرّض لإحصاء القطرات الهوامل ، بالأنامل ويدرك جوهر الشمس ، باللّمس ، وتعارض زخرة البحر ، بالنّحر ، أسهل من أن تحصى صفاته ، أو أن تقرع لفكر صفاته ، وهو الذي سار ذكره في العالم وانتشر ، وخرج في إحاطته بالعلوم عن حدّ البشر ناهيك بمن لم يخل زمانا من فائدة ، ولا مكانا من عائدة . وقد طال عمره ، وما خمد جمره . فهو كلّما أسنّ ، شحذ مرهف طبعه وسنّ . مع سلامة نفسه في كلّ حالاته ، وتوفّر أمانيه من أسباب التّحصيل وآلاته . وقد جمع من الكتب ما لا يدخل في ديوان حاسب ، مع الاستعداد الذّاتيّ الذي يأبى أن يكون باكتساب كاسب . فسرد آيات الفضائل وتلاها ، وعن اقتناص شوارد الفنون ما تلاها . وسلمت مباحث فضله عن المعارضة والجدل ، وكان الثّناء له وحده فإن ذكر غيره فكالرّابع المعهود في البدل . وصنّف التّصانيف التي تشهد بكلّ فضل ، وحسبك منها « عناية القاضي » فإنها خير من شاهدي عدل . وأما الأدب فقد امتزج بلحمه ودمه وكان به وجوده بعد أن أشرف على عدمه . فهو بدونه كالجسد بلا روح ، واللفظ دون مشروح . أو كالرّوض لا يجاد ، والعاتق بلا نجاد .
فإذا شمّر في البلاغة ساعده ، نضا عن ساقه لخدمته ابن ساعدة . فأمّا منشآته فلا يتصوّر عن الإتقان خروجها .
وأمّا أشعاره فقد حرست بالشّهب بروجها . فإن ألمّ بها مارد فاسترق ، أتبعه طارق فاحترق . وآثاره كما عرفت طويلة الذّيل ، تعرف مقدارها شواهد الليل . صقلتها تلك الفكرة المطيعة ، وهي وإن كانت كثيرة فصديقة للطّبيعة . فهو في الإنشاء فعل الأفاعيل ،
هامش
( 329 ) - الشيخ أحمد بن محمد بن عمر قاضي القضاة الملقب بشهاب الدين الخفاجي المصري الحنفي ، وكان في عصره بدر سماء العلم ، ونير أفق النثر والنظم رأس المؤلفين ورئيس المصنفين . اشتغل في علوم العربية والمعاني والمنطق وبقية العلوم الاثني عشر وعلوم الحديث والأدب والشعر والطب والرياضيات . وأخذ عن مشايخ عصره مثل : أبي بكر الشنواني ، وشيخ الإسلام محمد الرملي ، وشافعي زمانه الشيخ نور الدين علي الزيادي ، وإبراهيم العلقمي ، وعلي بن غانم المقدسي الحنفي ، والشيخ داود البصير ، ومصطفى بن عزمي وغيرهم ارتحل إلى الحرمين الشريفين ثم إلى القسطنطينية وتولى قضاء العسكر بمصر وببلاد روم إيلي وقضاء سلانيك . مرّ على دمشق وأقام بها أياما ومدحه فضلاؤها بالقصائد .
وله كتاب ( ديوان الأدب في ذكر شعراء العرب ) وكتاب ( طراز المجالس ) و ( الريحانة ) و ( شرح الشفاء ) وغيرها .
وكانت وفاته لثنتي عشرة خلت من شهر رمضان سنة تسع وستين وألف وقد أناف على التسعين .
والخفاجي نسبة إلى أبيه خفاجي وأصل والده من سرياقو من قرية من قرى الخانقاه والله أعلم .
ا . ه . خلاصة الأثر ( 1 / 331 ) .