تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
منهما حضرة الأنوار المفاضة ، وجعلت قصدهما بحجّة سفري طواف الإفاضة . فأرياني من الجدّ ما لو كان بظبة صارم ما نبا له غرار ، ومن البشر ما لو سال بصفحة البدر ما خيف عليه سرار . فلله هما قد خلصا للنّاقد ، ورفلا في أزر من الحمد طيّبة المعاقد . وللعهد أنا لست أنساهما فأذكرهما ، وإذا ذكرتهما فكلّي ألسنة تحمدهما وتشكرهما . وبهما أرجو من الله حسن المتاب ، وأن أكون ممّن تناول بيمينه الكتاب .

أدباء المدينة المنورة لا برحت - بحراسة اللّه - من الأسواء مسوّره

316

- السيد حسن بن شدقم الحسينيّ الحسن السّمت ، المستحسن الصّمت . المرموق المعتنى والمعتلى ، المعشوق المجتنى والمجتلى . تصدّر من مركز السّيادة في الرّتبة المكينة ، وبلغ في العلم رتبة أسلافه إلى أن ينتهوا إلى باب تلك المدينة . وكان قد دخل الهند في صباه ، فأحبّه بعض ملوكها وحباه ، وعقد لسماع كلماته حباه . ثم أملكه كريمته فأردف تكريمه بتكريره ، وأتبع توقيره بتوفيره . فاجتلى عرائس آماله في منصّات نيلها ، واستطلع أقمار سعده في نواشي ليلها . وكان من فعله الحسن ما قدّره بحزمه ، ودبّره في تمشّيه مآل حاله بقوّة جزمه ، إرساله في كلّ عام إلى بلده جملة من المال ، فاصطفيت له بها حدائق وقصور على وفق ما جنح إليه ومال : ولما مات الملك أبو زوجه ، وسقط قمر حياته من أوجه . انقلب بأهله إلى وطنه مصاحبا رفاهية زاهية ، وأقام مدّة في عيشه بخويّصة نفسه باهرة باهية . إلّا أن الرياسة التي فرّخت في أمّ رأسه ، والمكانة التي شدّت عراها بأمراسه . لم يجد عنهما عوضا في وطنه ، فانتهى إلى الهند شاكيا ضيق عطنه . فمن شعره ما قاله حين أنف من الإقامة في بلده : [ الطويل ]
وليس غريبا من نأى عن دياره * إذا كان ذا مال وينسب للفضل
هامش
( 316 ) - السيد حسن بن شدقم المدني الحسيني الفاضل الأديب الكامل . ذكره ابن معصوم في السلافة فقال في حقه : ( واحد السادة وأحد الساسة وثاني الوسادة في دست الرياسة ، القدر علي والحسب سني ، جمع إلى شرف العلم عز الجاه ، ونال من خيري الدنيا والآخرة مرتجاه ، وكان قد دخل الديار الهندية في عنفوان شبابه ، فصدره الشرف في مجلس أهله وأربابه ، وما زال يورق من رياض الإقبال عوده ، حتى أسفرت في سماء الإسعاد سعوده ، فأملكه أحد ملوكه ابنته ، ورفع في مراتب العلياء مرتبته ، وكان من أحسن ما قدره من عزمه ودبره ، وحرره من صفحات غرسه وحبره ، إرساله في كل عام إلى بلده جملة وافرة من طريف ماله وتلده ، فاصطفيت له به الحدائق الزاهية ، وشيدت له القصور العالية ، ولما هلك الملك أبو زوجه ، وهو قمر حياته من أوجه انقلب إلى وطنه مسرورا ، وتقلب في تلك الحدائق والقصور بهجة وسرورا ، إلا أن الرياسة التي انتشى من تلك الرياض بكؤوسها ، والمكانة التي تميز بعلوها ، لم يجد عنهما في وطنه خلفا ، فانثنى عاطفا عنانه وثانيه ، ودخل الديار الهندية مرة ثانية ، فعاد إلى أبهة عظمته الفاخره وبها انتقل من دار الدنيا إلى دار الآخرة ، وله شعر بديع فائق كأنما اقتطفه من أزهار تلك الحدائق ) . وكانت وفاته في شوال سنة ست وأربعين وألف . ا . ه . خلاصة الأثر ( 2 / 23 ) .