أقسمت بمن جعلني في خلقه آية ، ورفع لي على الطاغين أشهر راية ، وجعلني لمحق الباغين أشأم من ابن داية ؛ لتسمعنّ مني ما يدعك تقرع بأنامل النّدم الثّنايا ، وأنا ابن جلا وطلّاع الثّنايا . أيها الناعم في لباس العجب والتّيه ، والزّاعم أنّه مولي الفضل ومؤتيه ، والنّازع إلى أخلاق اللّؤم والرّداة ، والمنازع ربّ الكبرياء رداه . لقد افتريت في وصفي ووصفك بمينك ، وأبصرت القذاة في عيني ولم تبصر الجذع في عينك . وصدفت عن مناهج الحقّ ومشارعه ، وحرّفت الكلم عن مواضعه . ولو أنك شدّاد بن عاد ، ثم متّعك الله تعالى ب
إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ
وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ
، ثم نجوت من اليمّ بمن معك من الأجناد ، وكليب بن ربيعة ولم يقدر عليك جسّاس في الحمى ، وأبرهة ولم ترمك طير أبابيل من السّما ، وزهير بن جذيمة ولم تأخذك يد خالد من قريب ، وأبو جهل بن هشام ولم تسحب إلى القليب ؛ لأنفت لك من هذا العجب والاستطالة ، وضجرت منك إذ أطلت هذه الإطالة . لكن لا بدع في ذلك فإنّك منبع الطغيان ، بنصّ القرآن :
كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى
[ العلق : 6 - 7 ] ،
أَنْ كانَ ذا مالٍ وَبَنِينَ * إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ
[ القلم : 14 - 15 ] . وإن الذي جمع مالا وعدّده ، وحسب أنّ ماله أخلده ، منك استمدّ مدده ، وبك ، أعدّ في الكفر عدده . وقد قال أكابر قريش حين لفحتها ريحك العقيم :
لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ
. وقد علم مفضّلك أو مساويك ، إن لم يعمه حبّك عن مساويك ، أن الخلق بك يخسرون ولا يفلحون ، وأنّك من الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون . فكم قد اقتضى غيّ أهوائك ، وعيّ أدوائك ، وسكر شرابك ، ومسكر سرابك أن يقطع السارق ، ويقمع المارق ، ويروّع الخائن ، ويصفع المائن ، ويدفع الغاصب القاسط ، ويتبع المحاسب المغالط . وأن يدنّس بياض الأعراض ، بسواد دنايا الأغراض ، ويتحكّم في صحاح العقول عضال الأمراض ، من الأطماع الحقيقة بالإهمال والإعراض . ويفصح الحريص بالجريض ، عند الحثّ على الجود والتّحريض . وأن يرتكب الحازم ، متون المآثم .
يطيب الظّنون ، ويقدن السالك في المفاوز والمهالك على ريب المنون . وكم أوقعت فتنتك بين المرء وأبيه ، وخليله وأخيه ، وصاحبته وبنيه ، وفصيلته التي تؤويه ، ومن في الأرض جميعا ثم لا ينجيه . ولعلّك تقول : إن من ذكرت ، وشنّعت عليهم وأنكرت ، منك هربوا فلاذوا بسابغ ظلّي ، وفي حماك أجدبوا فاستسقوا وبلي وطلّي ، فأنت الذي حملتهم على أن يرتكبوا ما ارتكبوا ، حتى حادوا عن القصد ونكّبوا ، فعوقبوا ونكبوا .
كلّا ، إن خرط القتاد ، دون هذا الإيراد . فمن المعلوم أن كثيرا ممّن ظهرت غواياتهم ، وبعدت في الفساد غاياتهم ، قد يرضى لنفسه بسمة القباحة ، مع كوني لم أطرق له ساحة . وإنّما يقصد الزّيادة من كيلك ، أو التّقويم لأودك عند ميلك ، فتعشى عين بصيرته