الرّاوي لهذه الأسجاع : فابتدر الغنى لجوابه ، وقد استخرج دقيق التّعريض من جرابه ، فقال : إنّ بعض من أسعده الجدّ بخدمتي وأيّده الجدّ بعزمتي ، وسدّده المجد بهمّتي .
أنشده هذين البيتين بعض ندمائه ، وجلّاهما كالنّيّرين في سمائه . فتفطّن ذلك الرئيس ، لمعنى فيهما نفيس . وأعاد إنشادّهما في الحال ، وقد وضّع النّوال موضع السّؤال . فأظهر شمائل همّته العلية ، في دلائل عباراته الجليّة . وسدّد سهم الإصابة بساعد الكرم . فكنت قوسه ووتره ورمى مقاتل الفقر وما ظلم . فأرداه ووتره ، وألبس البيتين حلي الملوك بعد أن كانا في أسمال صعلوك . حتى أشرق معناهما بالضّياء المستفاد من شمسي ، وأغدق معناهما بالأنواء الهاطلة من سماء يومي وأمسي . قال : ثم تنبّه إلى أن هذا الكلام ، من بليغ الكلام . وأنه بغى والبغي مرتعه وخيم ، وأظهر دعوى الفضل ،
وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ
[ يوسف : 76 ] . فكفّ من غربه ، ورجع عن شرقه وغربه . واسترجع وسكت ، وأطرق إلى الأرض ونكت . لكنه قال في أثناء ذلك : ما أراني أضللت المسالك ، وأنا قلت وإن فخرت وطلت لعنان الحقّ مالك . وليس بملوم من نطق بالحق وصدع ، وإن شقّ قلب المعاند وصدع ، والحقّ أحقّ أن يتّبع . [ الطويل ]
وما المرء إلّا حيث يجعل نفسه * وإنّي لها فوق السّماكين جاعل
قال الرّاوي : فاستشاط الفقر من الغيظ ، وتلظّت أنفاسه أحرّ من سموم القيظ .
وأنف من الذّلّ والاستكانة ، إذ أنزله الغنى إلى هذه المكانة . وأنشد وقد أشعل نار الحميّة تسعيرها : [ الطويل ]
ونفسك أكرم عن أمور كثيرة * فمالك نفس بعدها تستعيرها
ثم انبرى للمقاومة مسترسلا ، بعد أن تضرّع إلى الله تعالى متوسّلا ، وقال متمثّلا :
[ الرجز ]
إحدى لياليك فهيسي هيسي * لا تنعمي الليلة بالتّعريس
إلا أنّه خاطب خطاب من قيّد الحلم ألفاظه ، وسدّد العلم إيقاظه . فقال : أيها الغنى لقد صرّحت وما كنّيت وعجلت وما تأنّيت ، فبرّحت إذ تجنّيت . وليتك حين صددت عن الإنصاف وأبيت ، لم تعمر بيتا بخراب بيت . أخبرني عن هذا الرئيس ، الذي ملأت أنت له الكيس . فزعمت أنّه إنما صار لما ذكرت قائلا ، من حيث كان في ظلّك قائلا .
فلو كان ظامئ العود من مياه الكرم التي جرت فيه ، جافّ العنقود عن حلب سلاف البلاغة التي رشفت من فيه . أتراه كان يقول ما قال ، ويتحمّل ما يستلزمه نطقه من الأثقال ؟ أو تراه لو كان مربوطا بأشراكي ، ومخروطا في أسلاكي ، محوطا بأفلاكي . ثم كان ممّن تشتقّ أفعال الكرم من مصدر طبعه ، وتشقّ قسيّ الهمم من غروس نبعه . ألم يكن ينطق بما نطق ويرشد إلى ما إليه أرشد ، حين أنشد البيتين من أنشد . فلا تجهل علوم الأخلاق وأنت خبيرها ، [ الطويل ]