[ طه : 72 ] . قال كريم الطّباع ، الراوي لهذه الأسجاع : فلمّا سمع العقل ما قالاه ، ورآي أنهما ألزماه الحكومة وإن عثر ما أقالاه ، لبث هنيئة ينتظر الإذن في الكلام ، ويحرّر من القول ما يخرجه عن الملام . إجلالا للحضرة السلطانيّة وتبجيلا ، وعملا بما قيل :
[ الكامل ]
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما * جعل اللسان على الفؤاد دليلا
حتى حصلت له الإشارة ، ووصلت نتائج أفكاره المستشارة . فاستعاذ من الشيطان الرجيم ، وقال : بسم اللّه الرحمن الرحيم . أما بعد ؛ فإنّ الحكومة معيار الذّمم ، ومحكّ الهمم . وميزان الفضل والمعرفة ، وميدان الأفكار المتصرّفة . وممرّ أنهار البلاغة والفصاحة ، ومقرّ أطواد الرّصانة والرّجاجة ، ومصرع جنوب المودّة والصداقة ، لكن في معارك ذوي الجهل والحماقة والحقّ يأبى الجمع بين النّقيضين ، والعقل يحرص على الإصلاح بين البغيضين . والتوفيق عزير ، وخير القول الجامع الوجيز . وبحر المدح والقدح لا تفنى عجائبه ، [ الطويل ]
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلّها * كفى المرء نبلا أن تعدّ معايبه
ومن هنا أيها الفقر والغنى ينبغي أن تعلما أنكما أدخلتماني في أضيق من سمّ الخياط ، وكلّفتماني المرور على جهنّم فوق الصّراط ، وأشّقّ المسالك الشّرعيّة باب الاحتياط . وأنا أستعين اللّه تعالى وأستهديه ، وأسأله أن يوفّقكما لقبول ما أبديه . فقد أجبت السؤال وأطعت ، وما أريد إلا الإصلاح ما استطعت . أما أنت أيها الغنى ؛ فإنك المحمود المذموم ، الميمون المشؤوم ؛ المحبوب المبغوض ، المطلوب المرفوض ؛ النافع الضّارّ ، المقيم الفارّ ، المنبّه الغارّ .
وأما أنت أيها الفقر ، فإنك العدوّ الصديق ، المسعف الرّفيق ؛ المشقي المسعد ، المهبط المصعد ؛ الممرض المعافي ، المعرض الوافي ، المخلّ الكافي ، الناقص الوافي .
وأنا أفصّل لكما هذين الإجمالين ، وأرفع التّناقض بين الاحتمالين ، حتى تنزّهاني عن الجهل والمين ، وتنقلبا بحقائق الأمور عالمين . اعلما أن اللّه لم يخلق شيئا عبثا ولعبا ،
وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً
[ الكهف : 49 ] أولاه راحة أو تعبا . وجميع نعمه ونقمه ، منتظمة في أسلاك حكمه . وكلّ ما أودعه في عالم الكون والفساد ، ذريعة للعباد إلى كسب الفوز في المعاد . وملاك نتيجة كلّ قضيّة ، ما يهدي اللّه لي اختياره حضرة النفس الإنسانيّة . وقد أحلّكما اللّه تعالى بين عباده في مواقع ، يجوّزها الشرع ولا يدافع ، من أوفاها حقّها ظفر بالعمل النافع ، ومن قصّر جوزي بعذاب واقع ، ماله من دافع . فيكون الغنى منحة استوجبها المطيع فحواها ، أو مصلحة لا يصلح العبد سواها . أو محنة للاختبار والابتلاء ، أو فتنة للاستدراج والإملا . ويكون الفقر نقمة طبق الاستحقاق المسطور ، أو نعمة لتنزيه النفوس الشريفة عن متاع الغرور . ويشارك الغنى في الابتلاء والاختبار ، والمصلحة التي يعلمها الحكيم المختار . فحقّ المحبوّ بالغنى أن لا يألو جهدا ، في أن