تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
يا ليتني فيها جذع * أخبّ فيها وأضع
وتقرّر في العقول ، مفاد المثل المنقول : [ م . الرجز ]
ما طار طير وارتفع * إلّا كما طار وقع
قد أصدرتها صيانة المروءة الشرعيّة ، وحياطة حقوق النفس المرعيّة ؛ لا بوادر القوّة الغضبيّة ، ونوادر النّخوة والحميّة . لتفيدك موعظة حسنة ، وتتلو : لا تستوي السّيّئة والحسنة . وتنشد البيت الدائر على الألسنة : [ البسيط ]
الخير يبقى وإن طال الزّمان به * والشّرّ أخبث ما أوعيت من زاد
قال راوي الحديث : فلما أتمّ الفقر مقاله ، ورمى عن ظهره أثقاله ؛ أقبل الغنى على رأس المجلس وصدره ، وشمس المحفل وبدره . وقال : أيّها النفس الشريفة ، مدّ اللّه تعالى بك ظلال العقل الوريفة ، إن حال هذا الجاهل طريفة أيّ : طريفه . لقد جهل الجهل المركّب ، وركب في غير سرجه هذا المركب . وقصد إذ شوّه وجه جمالي ، وأوّد غصن كمالي ، أن ينشد حرّ كريم ، أو ذو أدب قويم : [ الكامل ]
كضرائر الحسناء قلن لوجهها * حسدا وبغضا إنّه لذميم
فيدخل بفحوى العموم في جملة أقراني ، ويصعد بهذا المفهوم إلى أوج قراني . وهيهات هيهات ، أين الثّريّا من يد المتناول ، ومتى قال السّها : يا شمس أنت خفيّة ، وقال الدّجى يا صبح لونك حائل . ولو انثالت من جيوش الكلام هذه الجحافل ، في أحقر الأندية والمحافل ، لميّز في الحال بين البطل الشّجاع ، والخنع اليراع ، وأسقط سقط المتاع ، عن رتبة سكاب الذي لا يعار ولا يباع . فكيف بهذا المجلس الذي انتشرت عليه غمائم الأدب والفضل ، وشرت منه بوارق صوارم القول الفصل ، وارتعدت بصواعق الجدّ فرائض الهزل ، وهمرت سيول النّفع والضّرّ في شعاب التّولية والعزل . وإنّي سأحبس عن القول عناني ، ولا آخذ إلّا فيما عناني ، حتى تنحسم أباطيل الأماني ، وتمّحي عن صحائف الخواطر وساوس ماني ، وأجازي بالشكر من عرف قدري فأسماني . قال : فبادر الفقر قائلا : ربّ إنّي دعوت هذا الخصم للرشاد ليلا ونهارا ، ونصحته بالبيان المستفاد سرّا وجهارا ، فلم يزده دعائي إلّا فرارا ، وإصرارا على الجور واستكبارا . ثم لم يكتف بذلك حتى أخذ يمكر بي مكرا كبّارا ، ويتقرّب للحضرة السّلطانيّة استظهارا عليّ واستنصارا ، ويظنّ أن سينال بذلك لديها إيثارا . كلّا والله ، تلك حضرة شوط الباطل فيها قصير ، وهي للحقّ وأهله نعمت النّصير ، ولا يتميّز عندها للمتربّع فوق السّرير ، على الجاثي على الحصير ، وقد وقف الكلام بمنتهاه وغايته وصار إلى مصير . ثم أقبل على العقل ، وقال : يا مولانا الوزير ، أنت المدبّر والمشير ، والحاكم على كلّ مأمور وأمير . وأنت لسان الملك الناطق بلا اعتراض ، ويده المتصرّفة في سائر الأغراض ، وطبيب أحامه الشافي من كلّ الأمراض ، ولك الأمر
وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ
نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 138 | محمد أمين المحبي