فما الجود من فقر الرّجال ولا الغنى * ولكنه خيم الرّجال وخيرها
وأما إزراؤك على الصّعاليك ، لتزيد بذلك في معاليك . فكفاهم فخرا في الدّين ، قول علم المهتدين : " ربّ أشعث أغبر ذي طمرين لو أقسم على الله لأبرّه " ، وما أشبه هذا مما طرق سمعك غير مرّة . وأمّا باعتبار الدنيا ، ورتبتها الدّنيا . فإن فيهم من علا بالأوصاف قدره ، وغلا للأضياف قدره ، حتى أشرق من أفق الشّعر بدره .
ولكنّ صعلوكا صحيفة وجهه * كضوء شهاب القابس المتنوّر
إلى آخر الأبيات المعلومة في الرّوايات . فيا أيها الغنى ، هلّا إذ نطقت ، تحمّلت ما أطقت . ورفعت نفسك من حيث لم تخفض سواك ، وجلوت ثغرك بغير هذا السّواك .
فإن الشريف الكريم ، ينقص قدرا بالتعدّي على الشريف الكريم ، وولع الخمر بالعقول رماها بالتّنجيس وبالتّحريم . قال : فنظر إليه الغنى شزرا ، وأعاره لحظا نزرا . وخاطبه مخاطبة متحكّم ولاطفه ملاطفة متهكّم ، فقال : عذرا أيها المسكين ، ورفقا أيها المستكين ، فما أنا بلّغت عظمك السّكّين ولست الذي أنزل شكلك هذا البيت من التّسكين . إنّما قلت فيّ وفيك ، ما كلانا به حقيق ، ونسبت إليّ وإليك ، ما انعقد عليه الإجماع بالتّحقيق . فاستمع منّي بعض أوصافك ، وأردد جماح أنفتك بلجام إنصافك .
وإن لم تصدّق الناس ما أقول ، فبرئت منّي ذمّة المعقول : ألست حائك شقق الهون والإذلال ، وموشّيها بوشي الكدية والسّؤال ، ومفصّل أوصالها بمقراض الضّجر والملال ، وخائط تفاصيلها بخيوط الإلحاح الطّوال ، ومقدّرها على قامات الرجال ؟ فمفرّغها عليهم للزّينة والجمال ! فاستجل فيهم هذا الوصف الشّنيع ، واستمل منهم شكر هذا الصّنيع .
واعفني من عتابك ، فإني أربأ بنفسي عن خطابك . وإنّ حمى عزّي المنيع المحرّم ، ومن لا يكرّم نفسه لا يكرّم . ثم إنك مع ذا أردت جلاء العين فزدت قذى ، وأنزلت معالي الهدى في مغاني ألهذا . وتكلّمت في حضرتي بشريف الآثار ، كلام من يظنّ أنّه فيها ذو استيثار ، وأنت تعلم أنّي فارس نقعها المثار . واستشهدت ببعض الأشعار ، فأشهدت أن لمعانيها في ذهنك أشعار ، وكلّ عارف بأني لا أركب في مضمارها الفرس المعار ، ولا أقنع في معرفة أسرارها بالدّثار دون الشّعار . وإن كنت تستطيع معي صبرا ، فسأنبّئك بما لم تحط به خبرا . حسبي وإياك صيتا وذكرا أن اللّه سمّاني خيرا وسمّاك شرّا ،
إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً ( 19 ) إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً ( 20 ) وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً
[ المعارج : 19 - 21 ] .
وجعلني من نعمه التي ذكّر بها عباده كثيرا ،
وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً
[ الإسراء : 6 ] . بل يشمل سيّد البشر هذا المعنى ،
وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى
[ الضحى : 8 ] . وإنّ من دلائل فخري وسعدي ، وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي . وجعلك من المحن التي تسكب عندها العبرات ، ولا تقال في حزونها العثرات ،