تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
النفوس ، ما بين تغلب وبكر غبّ غداة البسوس . وقد أوقع فيها من المكروه والمساءة ، ما لم يوقعه قيس بابني بدر يوم الهباءة . وحطمها ولا تحطيم الإبل المجفلة ، جيوش لقيط يوم جبلة . ووسمها بالعار الباقي على الزّمان ، كما وسم به لبيد الربيع بن زياد في مجلس النّعمان . ونفورها عنه ولا نفور الغدة الفتيّة عن مقاربة الشّيب ، والشّنشنة الأخزميّة من مقارنة العيب . وبعدها عنه بعد العزائم اليقينيّة عن شبهات الرّيب ، والكثائف الجسمانيّة عن إدراك محجّبات الغيب . هذا وعقال العقول في تقييد صعاب النفوس محلول ، وحسام الفكر المصقول عن قطع أعصاب الأهواء مغلول . [ البسيط ]
والناس أكيس من أن يمدحوا رجلا * ما لم يروا عنده آثار إحسان
فلا جرم كاد ينعقد الإجماع ، كما لا يخفى على ذي نظر وسماع ، على بغض الفقر وذمّه ، وقصده بالصّدّ وأمّه ، وتواتر الدعاء بالهبل والثّكل على أمّه . [ الطويل ]
ومن يجعل المعروف من دون عرضه * يفره ومن لم يتّق الشّتم يشتم
فكان ما اختاره رحمه اللّه من هذا الصّنيع معدودا في فن المغايرة من البديع . وفيه تسلية لنفس البائس الفقير ، وتقوية لقلب الآيس الحقير . وإعانة للمبتلى بهذا الداء العضال ، وإبانة للغرض إن نشط للنّضال . لكن حقيقة الحال أن هذا الفاضل لما كان من كبار الأتقياء الزاهدين ، وخيار الصلحاء العابدين . ومعلوم أن غالبهم قد اختار التقشّف الموصوف ، وشيّد بناء التزهّد المرصوف . وهجر أنواع زخرف الدنيا وصنوفه ، حتى قطع مسافتها وما بلّ بحر صوفة . [ الكامل ]
كانوا جمال زمانهم فتصدّعوا * فكأنّما لبس الزمان الصّوفا
فبنى رحمه اللّه تعالى على مقتضى طريقتهم ، وفضّل الفقر إذ كان مرتضى حقيقتهم . وهو الحقّ الذي لا ريب فيه ، والإنصاف الذي يرتضيه الأريب ويصطفيه . ولا يعارضه في مراده ، مفاد :
قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ
[ الأعراف : 32 ] . فإن من راد نفسه على حلول هذه السّاحة وخشي أن يغرق عند تلاطم الأمواج وإن كان متقنا للسباحة ، لا يلزمه أن قال بالتّحريم وعدم الإباحة : [ البسيط ]
وأحزم الناس من لو مات من ظمأ * لم يقرب الورد حتى يعرف الصّدرا
وأما أرباب العصمة ، فهم البريئون من كلّ وصمة . فإنهم شاهدوا حظّهم الأشرف الأسمى ، فلم يثبتوا لما دونه رسما ولا اسما . وقصروا نظرهم على الخالد الباقي ، وأنفوا ان تطأ أقدمهم الأرض وهم في أعلى المراقي ، ومن ورد البحر استقلّ السّواقي . ولما تأمّلت تلك المقامة ، بوّأ الله منشيها دار المقامة . رأيت مبنى الأفضليّة فيها على أن جعل الفقر أمهر في تحصيل العلوم والمعارف ، وأكثر مقيلا في ظلّها الوارف . وأقدر على إبراز الصواب ، عند السؤال والجواب . لا على إقامة الدليل والبرهان بالأفضليّة ، وجعل السابق في هذا الرهان صاحب الأوّليّة . على أن هذا الميدان مجرى العوالي