تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
ومجرى السوابق ، وفيه تزدحم كتائب فرسان الحقائق وتلتحم مناكب النّظّارة من الخلائق . إذ الناس لعدم خلوّهم من أحد الوصفين ، ينقسمون إلى صنفين ، وينتظمون في صفّين . وكلّ يحتجّ لصاحبه بالصّفات الواقعيّة المرضيّة ، لا المجازيّة الفرضيّة . فأحببت أن أجول في هذا المجال ، ولو بالمحال ، وأنسج على هذا المنوال ، على وهن القدرة وضعف المجال ، وقصور عامل الفضل على التسلّط على هذه المحال . اعترافا منّي بالتّقصير ، وإسعافا بطلب المسامحة لباعي القصير . [ الطويل ]
ومن يعص أطراف الزّجاج فإنّه * يطيع العوالي ركّبت كلّ لهذم
فبنيت هذا المقصد على وضع غريب ، وترتيب يهشّ له الأديب والأريب ، وأسلوب يأخذه الطبع السليم عن قريب . وجعلت المفاخرة بينهما على حقائق الأوصاف ، وذكرت ما يقال من الطرفين بنهاية الإنصاف . ثم أنهيت المخاصمة إلى التّراضي بالمحاكمة ، فحكّمت بينهما مناط التكليف ، ورباط الفضل الذي اختصّ به النوع الشريف . فحكم حكما يقضي منه الفريقان مآربهم ، ويعلم كلّ الناس مشربهم ،
كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
[ الأنبياء : 33 ] ، و
كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ
[ الروم : 32 ] . والحقّ واضح الغرر والأحجال لقوم يعرفون ، و
فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ
[ يونس : 32 ] . حدّث الغزل الرّقيق ، عن المديح الأنيق ، عن السؤال الجميل ، عن النّوال الجزيل ، عن الخاطر المطاع ، عن كريم الطّباع ، قال : حضرت مجلسا من المجالس السّريّة ، التي لم تزل تعقد بحضرة النفوس البشريّة . وقد حضر وزيرها العقل ، وحاجبها الحلم ، وقائدها الفهم ، وقاضيها العلم ، وخازنها الحفظ ، ومنشيها الفكر ، وشاعرها الخيال ، ونديمها الوهم . ومثلت للخدمة أعوانها المتظاهرة ، وهي المدارك الخمسة الظاهرة . وانتظمت في مراتبها سائر القوى ، وغاب بحمد الله عدوّها الهوى . واتّفق أن حضر المجلس الغنى والفقر ، وهما الضّدّان المتناقضان ، بل العدوّان المتباغضان ، والجوادان المتعارضان ، بل القرنان المتناهضان . إلّا أن النادي جمع بينهما ، وقرّب على سبيل الاتّفاق بينهما . وخاض القوم في مجانح الحديث ، من سوانح القديم والحديث . فأراد بعض من حضر ، طراد جياد البحث والنّظر . فتلطّف بظرفه ، ولحظ الغنى بطرف طرفه . وقال : إنّي أحفظ بيتين ، وردّ الأوّل منهما على روايتين . يبتنى عليهما حكم وأحكام ، إذا تقّرر مفادهما بإحكام . وأنشد : [ الوافر ]
ولو أنّي وليت أمير جيش * لما قاتلت إلّا بالسؤال لأن الناس ينهزمون منه * وقد ثبتوا لأطراف العوالي
ثم قال : والرواية الأخرى يعرفها من هو بإحراز شرفها أحرى . قال كريم الطباع