تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
الوطن غبّ مقاساة وحشة القفر . فلله تلك البديهة النّبيهة ، والفكرة النّزيهة . حيث أتت بمستبينة الإعجاز ، مميّزة للحقّ على الحقيقة والمجاز . فأنست بمحاسنها آثار المتقدّم ، وصيّرت المجترى على مثلها كالمتندّم . فلعلّ السيد يمتّع بها طرفي وسمعي ، ويجمع بسببها شمل فكري وطبعي . فأغنى بها عن نديم ومدامة ، وأغدو من منادمتها في السّلامة بلا ندامة . هذا وشوقي إلى ذلك المنظر البهج ، واجتلاء بدائع منطقه اللّهج ، شوق القارظيّ إلى سكون وسكنى ، والقيسيّ إلى لبون ولبنى . واعتلاقي بوصفه الجميل ، اعتلاق " قفا نبك " بالملك الضّلّيل . وكيف لي بخلسة أشدّ عليها يد الضّنين ، وتنسيني هذا التّأوّه والأنين . فإنّي من حين الاجتماع ، والتّلذّذ بذاك الخطاب والاستماع ، هجرت غيره من القول والإصغا ، وجعلتهما في جانب من الإزراء والإلغا . فحالي فيه كما قلت ، وعن نهج ودّه ما حلت : [ السريع ]
يا سيّدا من حين فارقته * ما راقني مرأى ولا مسمع لا تحرمنّي نظرة أمكنت * فليس لي في غيرها مطمع
فكتب إليّ مجيبا : [ السريع ]
مولاي قد قلّدتني منّة * يستغرق الشكر حياها العميم أهديت لي نثرا من الدّرّ بل * من الدّراري الزّهر طيّ الرّميم بل نفحة قدسيّة عطّرت * بطيب أخلاقك نشر النّسيم تمنع أن يعكس تشبيه من * يشبّه العطر بخلق كريم لا بل قد أهديت لي في العلا * هداية للمنهج المستقيم تفتح عين القلب حتى يرى * تبلّج الدهر بليل بهيم والله لا أملك شكرا لها * إلّا عبوديّة قلب سليم
يا مولانا الذي شرّف مولاه بما أتحفه ، وشفاه بطبّ الفضل من داء الجهل وقد أنحفه . ومدحه حتى فضّله وقدّمه ، فشجّعه حتى ثبّت في معارك الأدب قدمه ، وفهّمه آداب السلوك وعلّمه ، حتى حقّ له أن يشهر لدى ملوك الكلام قلمه ، وينشر في مواكبهم علمه . أقدّم أوّلا عذري في مقابلة الدّرّ بالمدر ، وحمل التمر بل الحشف إلى هجر ، وجلب الدّرّ بل الصّدف إلى البحرين ، وإهداء تبرّكات المساجد إلى أهل الحرمين . ثم ما ذكره مولانا عظّم الله مقامه ، من طلب ما أنشأته على لسان الغنى والفقر شبه مقامه . فإن المخلص بنى في ذلك وهدم ، حتى كاد يحلم الأدم ، ويعيد ما أخرجه للوجود إلى العدم ، خوفا من الإتيان بما يوجب عند أهل المعرفة إلى الخجل والنّدم . وإلى وقت وصول الرّقيم ، والفكر في تيه الحيرة مقيم . أيبرزه في قالب التّمام ، أم يستر الأدب ستر الشمس المنكسفة بالغمام ؟ وما قرأته منه على بعض المخاديم الكرام ، فقد نزّلته منزلة