وكانت المقادير جمعت بيننا في الطّائف ، بين روض وغدير ، فتمتّعت بمؤانسته ، واغتنمت أوقات مجالسته ، وكتبت إليه في أثناء ذلك : [ السريع ]
يا رونق المنتسب الشّريف * أفديك بالتّالد والطّريف
شكرا لأيّامي هذه التي * فزت بها في ظلّك الوريف
أسمع من لفظك ما يبهر من * ينطق بالأسماء والحروف
من كلّ زهراء لآلي لفظها * تغني عن العقود والشّنوف
وأجتلي من خطّك الرّوض الذي * أبدعت فيه صنعة التّفويف
طابت مجانيه فأثمار المنى * في سوحه دانية القطوف
دمت تحلّي الدهر فخرا وأنا * وصّاف حسن طبعك الموصوف
فراجعني بقوله : [ السريع ]
يا شمس أفق الأدب الموصوف * ويا فريد عقده المرصوف
ويا جمال النّسب السامي إلى * عبد مناف بالسّنا المنيف
يا من حباني من صفاء ورده * رونق ذاك الجوهر اللّطيف
ومن سقاني من نمير فضله * سلاف كرم روضه المسلوف
ومن أراني من خصال ذاته * محاسنا زادت على الألوف
يا مهديا إليّ من أشعاره * تاج علا تمّ به تشريفي
إن زمانا بك قد جاد لنا * جدّد جود حاتم المعروف
أحسن إحسانا نسينا عنده * ما مرّ من سلوكه المألوف
قد كان ما مضى من العمر سدى * لا يشترى بالثمن الطّفيف
حتّى حبانا بك سعد طالع * يزهو بنجم مجدك الشّريف
فعاد باقي العمر عيش خالد * في جنّة دانية القطوف
فاسلم ودم دامت معاليك ترى * أوصافها للسّمع كالشّنوف
وبلغني من بعض السادة ، أنه أنشأ محاكمة بين الغني والفقر ، فكتبت إليه أطلبها منه :
بلغني خبر المحاكمة ، التي أنشأها السيد مقامة ، وأفاد بها أن لا أحد يساوي مقامه . فعرفت أنه أتى بالعجب العجاب ، واستأثر بما هنالك من الإغراب والإعجاب .
جريا على ما يعهد من طبعه المهذّب ، وفكره الذي ينشئ الوشي المذهّب . فكم لفظ منه بحر الفكر ، أمثال هذا الجوهر البكر . فأطلع الكلام درّا ، وبيان البنان سحرا . وصيّر بطون المهارق بوارق ، وما بين مدبّ الأقلام خوارق . من قواف تنير حنادس الأفهام ، وتتلاعب بالأفكار تلاعب السّحر بالأوهام . وفقر أبهى من الغنى بعد الفقر ، وأشهى من