169 - فهيم
شابّ شبّ في حجور الآداب ، وتعلّق من الشعر الغضّ بتلك الأهداب .
فجاء منه بما تستعير لطفه الشّمائل ، ويرقّ به النسيم إذا سرى بين الخمائل .
وقد تغرّب في عنفوان شبابه ، وغاص في بحبوحة التفنّن وعبابه .
فأرضعته الحنكة بلبانها ، وأدّبته الدّربة في إبّانها .
فكان أبرع من أورد اليراع في محبرة ، وهزّ غصنها في روضة طرس محبّرة .
إلّا أنه كان لا يقتصر على سمت ، ولا يخلو من انحراف وأمت .
وقد نزع إلى سلوك ورياضة ، واستحسن عن الزّخرف بالخشن تبدّله واعتياضه .
وله « ديوان » شعر موجود بأيدي الناس ، وأكثره غزليّات من أدقّ رقى الوسواس الخنّاس .
فمما عرّبته منها : [ الرجز ]
عجبت من لحظ ظلوم في السّطا * يعلّم التظلّم المظلوما
170
- سليمان ، المعروف بمذاقي
ظرف الظّرف ، وقوة الطّرف .
وزاملة النّتف ، وأطروفة الطّرف .
كنه الأخبار حديثا وقديما ، فلهذا اتّخذه الكبراء جليسا ونديما .
فهو على القدح ريحانة ، وفي الكأس سلافة حانة « 1 » .
وكان مولعا بالصّناعة ، ولديه منها توسّع في البضاعة .
فهو قمريّ التصوير ، شمسيّ التأثير ، ومحلّه ما بين فلك عطارد والفلك الأثير .
وله شعر عذب المساغ حلو المذاق ، ورتبته في الأدب رتبة المهرة الحذّاق .
فمما عرّبته من كلامه : [ مخلع البسيط ]
هامش
( 170 ) - سليمان البوسنوي ، نزيل قسطنطينية المشهور بمذاقي ، أحد بلغاء شعراء الروم وأذكيائهم ، وكان نديم الوزير الأعظم أحمد باشا الفاضل ومن خواصه وجلسائه المتقدمين عنده ، ولم يزل مكينا لديه ، حظيا بالتفاته ، يفضي إليه بسره ويأمنه على أخباره ، وصار كاتب ديوانه . وكان قبل اتصاله به جاب البلاد وساح الآفاق وهو على سمة الدراويش ، ودخل آخر أمره مصر وحاكمها أيوب باشا ، فقربه وأدناه ، وعرف مكانته فجعله كاتب ديوانه ، وصاحب حله وعقده . وكان شديد التولع بالكيمياء ، لا يزال يفحص عنها من كل من يجتمع به ، وصرف عليها أموالا كثيرة ، وبسببها اجتمع بكثير من أرباب المعرفة والتقط من فوائدهم ، وتوفي بقسطنطينية في سنة سبع وثمانين وألف . ا . ه خلاصة الأثر ( 2 / 213 ) .
( 1 ) السلافة : اسم للخمر ا . ه اللسان ( سلف ) .