وكان الدهر أغري بوهي بنائه ، لتلوّنه لتلوّن الماء في إنائه .
فلما رآه كالياقوت لا يتغيّر إذا ألقي في النار ، عطف عليه ورفع له في الحظوة المنار .
فاستأنف لذّته وجدّدها ، وأثبت مقاماته وحدّدها .
وتأزّر بأثواب العلى وتردّى ، ولم تجد عنه السعادة محيدا ولا مردّا .
إلى أن فاجأه الموت ، وفات في أجله الفوت .
فلا زالت الدّيمة الوطفا « 1 » ، تحيّي قبرا ضمّ منه كرما ولطفا .
وهذه شذرات من عقده ، جئت بها خالصة من زيف الشعر الداعي لنقده .
فمنها قوله : [ الكامل ]
أهلا بمن فاق السّماك مخجّلا * شمس الضحى في رفعة وسناء
فكأنّ لي فوق الثّريّا منزلا * علقت بسدّته حبال رجائي
وكتب إلى أستاذي عزّتي : [ الخفيف ]
يومكم نصفه تقضّى بنور ال * عزّ والنصف منه للقرناء
طالع الدرس بعد كل عشاء * فالليالي تعدّ للإحياء
وكتب إلى المفتي أبي سعيد : [ الكامل ]
لا زلت في فلك السعادة ساطعا * أنت الكفيّ بحاجتي وحسيبي
أمّلت حظوة نظرة من أجلها * أشغلت ساحتكم ببسط كروبي
وكتب لبعض الصدور : [ الخفيف ]
يا سراج التقى وبدر المعالي * دم منيرا وهاديا للعباد
كنت من قبل ألثم اليد بالإج * لآل والآن نال ذاك مدادي
وله من قصيدة ربيعيّة : [ الخفيف ]
زمن الورد بالرّحيق الصّفوق * طاب حيث الصّبوح مثل الغبوق
أنت بالغنج والدلال أنيس * ولي الخمر كالصديق الصّدوق
وسمع قول ابن عبد ربّه : [ الكامل ]
نعق الغراب فقلت أكذب طائر * إن لم يصدّقه رغاء بعير « 2 »
فقال : [ الكامل ]
ورد النسيم فقلت أصدق قاصد * خجلت له عين النبات الأخضر
هامش
( 1 ) سحابة وطفاء : إذا تدلت ذيولها طال مطرها أم قصر . اللسان ( وطف ) .
( 2 ) البيت في العقد الفريد 5 / 348 .