تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 58

مساهمون:

ص٥٨
والمذكّر قد خرج على قومه من المحراب على سنّة سيدنا زكريّا ، فأوحى إليهم أن سبّحوا بكرة وعشيّا . إذ تمثّل لي روح الملأ الأعلى بشرا سويّا ، فقام يسألني عن أشياء خفيّة حفيّا . على سلطان مسارح سبوح ، فكره ملكوت السّبّوح . ومدار صبوح ، ذكره مجالس الملائكة والرّوح . ملك ملك الآفاق لطفا وقهرا ، وسلك مسلك الاتّفاق سرّا وجهرا . وخضعت لجلالته وجلادته الدهور ، ونسمت بنسيم سعادته غرر الشهور كالزّهور . عمّت بالأيادي يداه قبائل الشاكرين فضلا وجودا ، وهمت بنوادي نداه قوافل الذاكرين قياما وقعودا وسجودا . الذي استرقّ رقاب السلاطين مرادا ومريدا ، واستعبد ملوك الماء والطين ولم يذر مريدا . نشر راية السلطنة الطنّانة نشر عبير ، وفسّر حدسه آية الدولة الدّيانة أحسن تفسير . لم يزل صدره مصدر الكلّيّات ، وضميره لوح الماهيّات . وما برحت راحته راحة العباد ، وساحته قبلة الحاضرين والباد . وما انفكّت زجاجة قريحته الوقّادة ، توقد من شجرة التّحقيقات العقيقيّة ؛ وبديهته النّقّادة ، ترتاح إلى التدقيقات المجازيّة والحقيقية . وما فتئ قبول قبوله روحا يروّح نخل الفضائل بروح وريحان ، وما خلا بنان رسوله يقطف قطوف الفنون من الأفنان . ينظر إلى ثمره إذا أثمر وينعه ، ويشكر فضل أثره ويأمر بجمعه . وكتب إلى إمام السلطان يوسف بن أبي الفتح الشامي ، وهو بدمشق : [ الكامل ]
يا من علا بجماله * وكماله أعلى العلى منّي إليك تحيّة * حرز البقا لذوي العلى
ثم ينهي على رسم أولي النّهى ، إلى المحلّ الذي خصّه الحسن والبها . أنّا كنا مجهّزين إليه قبل تاريخه مكتوبا بأمداد الصدق والخلّة ، وخطابا فيه شفاء عن العلة والغلّة . ثم قعدنا ناظرين بم يرجع المرسل ، فلم يظهر ممّن رحل وقفل ، وطلع وأفل ، نوع أثر من عين ، ونغمة خبر من رباب وعين . فلعل المجهز ضاع في البين ، وما ضاع نشره بين اثنتين . وإلّا فالحبيب لا محالة وثيق الوفا ، سحيق عن شفا جرف الجفا . فلو وصل لوصل ، وما قطع عروة ما حصل .