فيا زيد قل للحاسدين تحفّظوا * بغيظكم أن لا يطيعكم الصّبر
فمجدي كما قد تعلمون مؤثّل * وكلّ حمام البرّ يقنصها الصّقر
من القوم أرباب المكارم والعلى * ميامين في أيديهم العسر واليسر
مساميح في الأولى مصابيح في الدّجى * تصافح في معناهم الخير والشّرّ
أسنّتهم في كلّ شرق ومغرب * إذا وردت زرق وإن صدرت حمر
مساعير حرب والقنا متشاجر * ويوم النّدى تبدو جحاجحة غرّ
وليدهم ألقى الملوك لأمره * تقول لبدر التّمّ ما أنصف الشّهر
بني حسن لا أبعد اللّه داركم * ولا زال منهلا بأرجائها القطر
ولا زال صدر الدّست منشرحا بكم * فمنكم ولاة البيت ينشرح الصدر
قلت : وقد ترجمه صاحب السّلافة ، وقال فيه :
ورد مكة ، فمدح سلطانها السيد زيدا ، بقصيدة طويلة الذّيل ، فأجازه عليها جائزة سنيّة النّيل .
على أنّ نظام أبياتها غير مؤتلف ، وانتساق معانيها يتفاوت ويختلف .
فهي كما قيل :
درّة وآجرّة ، وقحبة تجاورها حرّة .
ثم أورد المقدار الذي ذكره من القصيدة ، مع التعقّبات التي في أثنائها ، والاعتراضات التي طمست من سناها لا سنائها .
فإن محاسن محاسنها أثّر فيها ذلك القدح ، وجلالة قدرها مشيدة بمدح الشريف وشريف المدح .
وأقول : كأنّ ابن معصوم لم يظفر من شعر الأنسيّ إلا بهذه القصيدة ، التي أظهر فيها نقده .
على أن شعره كثير ، وفضله أثير ، وجياد كلامه لنقع البلاغة لم تزل تثير .
قال : قوله : « فو اللّه ما مكر العدوّ . . إلخ » هذا البيت ساقط ، ويتلوه ما بعده ، يشير بذلك إلى الأبيات الثلاثة التي بعده .
أقول : ليس في هذا البيت عيب إلّا تكرار لفظ « المكر » ؛ فإن التّكرار مخلّ بالبلاغة إن أدّى إلى التّنافر كما بيّنوه ، وأمّا من حيث المعنى فهو مستقيم ؛ لأنه لمّا ذكر أن الدهر معاند له ، أثبته عدوّا ، ونسب إليه المكر به ، كما هو شأن العدوّ ، وادّعى أن مكره أشدّ من مكر العدو ، على طريق المبالغة في وصفه بذلك .
وقوله : « هو المكر » ؛ أي هو الذي يستحقّ أن يسمّى مكرا ، كأنّ غيره بالنسبة إليه لا يسمّى مكرا .