على أنّي - والمنّة للّه عليّ - من فضل ربّي ، وفضل إمامي في خير واسع ، ورزق جامع ، وأمل في كلّ بلاغ راتع .
ثم إنه لا يسلك أحد طريقة إلّا وله فيها سلف يقتدي بهم بعد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم .
فأوّلهم أمير المؤمنين عليّ ، كرّم الله وجهه ، وهو يقول في خطبة له : « واللّه لأن أبيت على حسك السّعدان مسهّدا ، أو أجرّ في الأغلال مصفّدا ، أحبّ إليّ من أن ألقى الله تعالى ورسوله يوم القيامة ظالما لبعض العباد ، أو غاصبا لشيء من الحطام .
وكيف أظلم أحدا لنفس يسرع إلى البلى قفولها ، ويطول في الثّرى حلولها .
واللّه لقد رأيت أخي عقيلا وقد أملق حتى استماحني من برّكم صاعا ، ورأيت صبيانه شعث الشّعور ، غبر الألوان من فقرهم ، كأنما سوّدت وجوههم بالعظلم « 1 » ، وعاودني مؤكدا ، وكرّر عليّ القول مردّدا ، فأصغيت إليه سمعي ، فظنّ أني أبيعه ديني ، وأتّبع قياده مفارقا طريقي ، فأحميت له حديدة ، ثم أدنيتها من جسمه ليعتبر بها ، فضجّ ضجيج ذي دنف من ألمها ، وكان أن يحترق من ميسمها .
فقلت له : ثكلتك الثّواكل يا عقيل ، أتئنّ من حديدة أحماها إنسانها للعبه ، وتجرّني إلى نار أضرمها جبّارها لغضبه ؟ أتئنّ من الأذى ، ولا أئنّ من لظى ؟
وأعجب من هذا طارق طرقنا بملفوفة في وعائها ، ومعجونة شنئتها كما عجنت بريق حيّة أو قيئها .
فقلت : أصلة ، أم زكاة وصدقة ؟ فذلك محرّم علينا . أهل البيت .
قال : لا ذا ولا ذاك ، ولكنها هديّة .
فقلت : هبلتك الهبول ، أعن دين الله أتيتني لتخدعني ! أمختبط ، أم ذو جنّة ، أم تهجر ، واللّه لو أعطيت الأقاليم السّبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلته ، وإن دنياكم هذه لأهون من ورقة في فم جرادة تقضمها ، ما لعليّ ونعيم يفنى ، ولذّة لا تبقى ، نعوذ باللّه من سبات العقل ، وقبح الزّلل ، وبه نستعين » .
وأقرب أئمّتي إمام عصري بعد والده أمير المؤمنين القاسم بن محمد بن علي ، رضوان اللّه عليهم ، وهما من علم الخاصّ والعامّ سلوكهما تلك الطريق ، وتمسّكهما بذلك الحبل على التّحقيق .
ورفضهما الدنيا بعد ملك المشرق والمغرب ، ورضاهما منها بأدناها مع نفوذ أمرهما في العرب والعجم ، والبعد والقرب . [ الكامل ]
والشمس إن تخفى على ذي مقلة * نصف النهار فذاك تحقيق العمى
هامش
( 1 ) العظلم : عصارة شجر لونه كالنيل أخضر إلى الكدرة . انظر لسان العرب ، مادة / عظلم / .