تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 279

مساهمون:

ص٢٧٩
ينظم بأقلامه ، منثور الآثار من كلامه . وينسج بعباراته ، وشايع مخاطباته ومحاوراته . فمن بدائعه ، ما أجاب به الأمير الشريف الحسين بن أحمد الخواجي ، صاحب صبيا ، وقد كتب إليه كتابا ، وأصحبه هديّة : وصل الكتاب الذي هو جواب جوابي عليكم ، مشتملا على وجوه من الخطاب ، صيّرت ما كان سبق منّي من الإحسان بإجابة الكتاب الأول ذنبا ، وما كنت أحسبه حمدا عند الله وعند خيار عباده سبّا ، إذ لم يقع منّي ما صدر من البشير السّابق لمن وصل الحضرة الإماميّة من إخوانكم الشّرفا ، ثم جوابي عليكم في كتابكم الذي ابتدأ المولى به إلّا رعاية لحقّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؛ إذ كنتم وأولئك الجماعة من أهل بيته ، وممّن ينسب إلى ذرّيته ، ثم صيانة لعرض مولانا أمير المؤمنين ، ومحبّة في أن يكون من في حضرته الكريمة من المكرمين ، كما جاء في الحديث النّبويّ : « المؤمن إلف مألوف » « 1 » . وكنت أظنّكم - رعاكم اللّه - وأولئك الجماعة ، ممن له في خوف الله نصيب ، وممن قد أقلع عمّا يوجب البعد من القريب المجيب ، وممّن دعواه صادقة ، وأنه لا يريد إلا اللّه ، ولا يسعى إلّا في طاعته وتقواه ؛ فخدعتموني في الله فانخدعت ، ولو أخذت بالحزم الذي هو سوء الظنّ لما أبعدت ، فحملتم تلك الحالة على ما زهّدني - واللّه - وغيري من المؤمنين فيكم ، ونبّهني على الحذر والرّيب في كلّ ما يصدر من قول أو فعل عنكم ؛ إذا أحللتموني محلّا لست من أهله . وكتبتم إليّ بتصدير هديّتكم ، المردودة إليكم غير مشكورة ولا محمودة ، ولم ترها - والحمد للّه - عيني ، ولا لمستها - والمنّة لله عليّ - يدي ، أردتم خديعتي عن ديني ، والتوصّل بها إلى ما تريدون من أغراض الأهواء وإن أهلكني . وأكون كما قيل : [ المنسرح ]
بتّ كأنّي ذبالة نصبت * تضيء للناس وهي تحترق « 2 »
ومعاذ الله أن أكون ممّن يبيع دينه بكلّ الدنيا ، فضلا عن عرض منها هو أقلّ وأدنى ، وأن يحبط أعماله ، ويبطلها ، بإماطة الأوساخ عن الناس ل
قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ
[ الأنعام : 56 ] . وكيف إن بقي شيء من المعقول آمر الناس بالبرّ وأنسى نفسي ، وأتصدّر لإمام الحقّ في إنشاء مواعظ يخطب بها على المنابر لنصيحة الخلق وأخونها ، وهي أعزّ الأنفس عندي .
هامش
( 1 ) الحديث أخرجه في مسند الشهاب ( 129 ) . ( 2 ) البيت للعباس بن الأحنف من البحر المنسرح انظر ديوانه . 221