فقر تبالغت في البلاغة إلى أن غدت الفرائد في أساليبها خوارق ، موشّحة بسموط « 1 » نظم لها من نفسها معبد ومخارق .
فرائض لم ترض همّة منشئها بين أبكارها إلّا ما هو مبتكرها ، وأبت قريحة التّزيين بعوادي العوادي فما حلا لذوقه مكرّرها .
فبرزت للجنان جنان ، حورها عين
لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ . *
فلا ينفكّ المتنعّم بها في كل آن ، هو في شان ، حتى ينتهي منها إلى ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على الأذهان .
ولم لا تكون كذلك ؟ ومنشئها ذو اليد البيضاء في معجزات البلاغة ، الذي آنس من جانب الطّور نارا ، والضارب بقلمه بحرها فانفلق فلم يقبل الدّرّ إلّا كبارا .
فلذلك رجع وهو من نفثة سحرها الكريم الكليم ، فأصبح وعصا حجّته تلقف ما صنع كلّ سحّار عليم .
حتى ألقى سحرتها سجّدا مؤمنين بربّ حديثها القديم ، قد رأوا من آياته عجبا من أسرار كهفه والرّقيم .
لا بل هو قاموس البلاغة خاتمهم الأحمد المحمّد ، كيف لا يكون كذلك ؟ وهو من العترة الطاهرة المحمّديّة ابن عبد الله محمد .
فعليه من السلام ، أسنى سلام السلام .
ومن الإكرام ، إكرام ذي الجلال والإكرام .
ومن التحيّات أحيى تحيّات الحيّ القيّوم ، ومن الرحمة رحمة الرحمن الرحيم المدّخرة لذلك اليوم المعلوم .
ومن البركات أنمى بركات وأدومها وأزكاها ، وأطيب الطيّبات وأذكاها .
وبعد :
فإن الولد الفذّ البذّ ، المتخلّق من أطيب الخلال بما طاب وعذب ولذّ .
نوّر مصابيح زجاجات القلوب ، وروّح الأرواح ، وهزّ معاطف الأعطاف ، ورنّح أغصان الأشباح ، وسرّ سرائر أسرار نفيس الأنفس بروح ريحان الارتياح .
وشرح صدور الصدور ، بنفائس عرائس حور تلك المعاني المقصورات من الإعجاز في القصور .
التي اقتعدت مقاعد الصّدق من سطور تلك الصدور ، التي كلّ مواضع مفرداتها ومركّباتها من المنظوم والمنثور .
هامش
( 1 ) سموط : جمع سمط ، الخيط يضم فيه الخرز . اللسان ( سمط ) .