تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
بملاك مغانيها العزيزة ، في مقاعد أعجاز العزيزة كلّها صدور . فهي سماوات فضل دارت أفلاك فخرها بدراري أنوار فصل الخطاب ، وأردان منيع رفيع قيّمها بمصباح السّليقة العربية التي اختارها الله لأفضل نبيّ وأجلّ كتاب . فلا برحت قريحته السّمحة السليمة عذيب بارق نضّاح ينابيع الأدب ، ولا انفكّت بحلّته حسن رداء لواحق آداب من تأدّب . ذلك أنها أخذت بجميع مجامع أحاسن أجناس القول وفصوله ، ولم تدع نوعا من إحسان الإحسان إلّا وأحاطت بذاتيّه وعرضيّه مقطوعة وموصولة . ولا غادرت بهيج زخرف بديع ، إلّا وسحبت فواضل حبر حسنه في ميادين إيجاز الإعجاز وتطويله . محيطة بفنون الافتنان فلذلك انتظمت في أساليب الحسن ، كلّ فنّ مفعمة بلطيف الإدماج المشيد بلطيف طريقه إلى استيعاب كلّ معنى حسن . لم تترك طريقا من البلاغة إلّا طرقته ، ولا معنى ذا أسلوب من البلاغة إلّا خرقته . فلم تدع لمتكلّم في قوس المعاني منزعا ، ولا أبقت لمنطيق من مواقع الإحسان موقعا . فبماذا يجيء من حاول الجواب للقول الجامع ، وقد أخذ من جميع طرق المحاسن بالمجامع . إلّا عسى بالإعادة تملّي ما حوته من اللفظ والمعنى ، والقنوع بهنات السّرقات ومن ذا بالسرقات استغنى . ولو شاء موشّيها لترك للإجابة طريقة ، ووسّع بمخاطبته في الإشفاء لمطارحته طريقه . فكم أردت ذلك فتبيّن بعد المناسبة بين بيانه وبياني ، وكنت كلما حاولت ذلك يضيق صدري ولا ينطلق لساني . فلم أر في شرح البلاغة مجيزا ، إلّا أن أقابل بجديد فكري من ذهن منشئها ذهبا إبريزا . لكنّ لزوم الإجابة ، أوجبها مع الإصابة وغير الإصابة . فلو استوى الابتداء والجواب في حسن المخاطبة ، وأن لا يتفاوتا في كمال المناسبة . سمّي رجع صدى جوابا ، ولا عدّت حركات الجواب وغمزات العيون بين الأحباب خطابا . لكنّ ذلك عجز ملأ حوض سرّي سرورا حتى قال قطني ، فلم أقرع على ما فاتني من الإحسان سنّي . إذا كان فخرا ممّن يقول أنت شجري ، وأقول له أنت ثمري .
نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 147 | محمد أمين المحبي