خدمت مفتي العصر وهو الحيا * فلم يدع برّي وإيناسي
وصرت في خدمته ناعما * في نعمة تسدى بلا باس
لا أعرف الهمّ ولا أشتكي * خطبا بلى قلبي بوسواس
فسيبه سيل إذا رمته * ومجده كالشامخ الراسي
إن كسر الدهر فؤاد امرئ * تراه بالجبر هو الآسي
إن رمت تدري بالنّدى سحّه * فصوبه مع مرّ أنفاسي
أما ترى رقّة مدحي له * تغنيك عن دنّ وعن طاس
قد أمر الفتح بأمر على * أجبته طوعا على رأسي
قل لبني الدنيا ألا هكذا * فليصنع الناس مع الناس
البيت الأخير مضمّن ، من ثلاثة أبيات للفتح بن أبي حصينة « 1 » .
ولها قصة ، وذلك ما ذكر أنه امتدح نصر بن صالح بحلب ؛ فقال له : تمنّ .
فقال له : أتمنّى أن أكون أميرا بحلب .
فجعله أميرا ، وخوطب بالأمير ، وقرّبه نصر ، وصار يحضر في مجلسه في جملة الأمراء .
ثم وهبه أرضا بحلب ، قبليّ حمّام الواسانيّ ، فعمرها دارا ، وزخرفها ، وقرنصها ، وأتمّ بناءها ، وكمّل زخارفها ، ونقش على دائر الدّرابزين قوله : [ السريع ]
دار بنيناها وعشنا بها * في نعمة من آل مرداس
قوم محوا بؤسي ولم يتركوا * عليّ للأيام من باس
قل لبني الدنيا ألا هكذا * فليصنع الناس مع الناس
فلما انتهى العمل بالدار عمل دعوة وأحضر نصر بن صالح .
فلما أكل الطعام ، ورأى الدار ، وحسنها ، وحسن بنائها ونقوشها ، وقرأ الأبيات ؛ فقال : يا أمير ، كم خسرت على هذه ؟
فقال : واللّه يا مولانا ما للملوك علم ، بل هذا الرجل ولي عمارتها .
فلما حضر المعمار ، قال له : كم لحقكم غرامة على هذا البناء ؟
فقال له المعمار : غرمنا عليها ألفي دينار مصرية .
هامش
( 1 ) ديوان أبي حصينة ( 214 ) .