إمام أئمة الفنون ، المستخرج من بحار البلاغة درّها المكنون .
فكان بالشام علمها الذي يهتدي به المهتدي ، ومقتفاها الذي يقتدي به المقتدي .
فتدانت به القلوب المتباعدة ، وتلاقت الآمال المتواعدة .
فما ولدت أرحام الأرض من حفال الأزهار والنبات ، التي أرضعتها الخضراء بدرّ أخلاف الأمطار وهي في حجر الصّبا وحضانة النّسمات ،
ألطف من شمائله التي عطّرت أردان الصّبا ، وأعادت للقلب نشوة الصّبا فصبا .
ولم يزل يحلي الليالي العواطل ، وتدين لسقيه السحب الهواطل .
ويبدع في آثاره صدورا وأعجازا ، ويطلع رسائله مملوءة بلاغة وإعجازا .
حتى ردّاه الرّدى وعدّاه الحمام من ذلك المدى .
فأنار اللّه مثواه ، وجعل الجنة مأواه .
فخلفه ثلاثة فتيان ألّف المجد بينهم ، فإن قلت أين الحسن فانظر أيّهم .
فالأوسط من مرض الشّعر في عافية ، لكنه قعد على طريق القافية .
وأما الكبير ، وهو :
« 79 » عبد اللطيف
فعظيم الأرومة ، ورونق المزيّة المرومة .
أنبت خطّيّها وشيجه ، وقوّم أغصانها تخريجه .
يفترع الهضاب ببعد همّه ، ويصيب الأغراض بمسدّد سهمه .
هامش
( 79 ) - عبد اللطيف بن محمد محب الدين بن أبي بكر تقي الدين .
أكثر قراءته على والده ، ولما قدم الشام مع أبيه حضر عند البدر الغزي وأخذ عنه ، وله مشايخ كثيرة . وسافر إلى الروم وأقام بها مدة ، وسافر في أواخر الألف إلى مكة بنية المجاورة ، وجاور سنة أو سنتين وصحب بمكة السلطان مسعود بن الشريف حسن بن أبي نمى ، وصار له حظوة عندهم ، ومدحهم بعدة قصائد . ثم عاد إلى دمشق ، ثم سافر منها إلى الروم ، وولي قضاء حماة وحصل منها مالا طائلا ، ثم بعد عزله منها قدم إلى دمشق وعمر داره المعروفة به بسوق العنبرانيين عند باب الجامع الأموي . وولي نيابة الباب فيما بين مرات ، وقضاء القسمة العسكرية ، وكان له عفة ونزاهة ، ولما مات والده وجه إليه المولى إبراهيم بن علي الأزنيقي قاضي قضاة الشام المدرسة الشامية البرانية عنه وكان بيده قبل ذلك تدريس الظاهرية فجمع له بينهما ، ثم تفرغ عن الظاهرية وبقيت الشامية في يده . وألف تآليف تدل على تمكنه وإحاطته منها : تفسير على سورة الفتح ، وكتاب جمعه في خمسة علوم التفسير والحديث والفقه والتصوف والأدب .
وكانت ولادته في شعبان سنة ست وستين وتسعمائة ، وتوفي في صفر سنة ثلاث وعشرين بعد الألف ، ودفن في بيت صغير عمره بالخشابين خارج باب الشاغور . ا ه خلاصة الأثر ( 3 / 19 ) . -