وهو من كل المشارب شارب ، وفي كل المسارب سارب .
فطورا له طور لجدّ مدافع * روقتا له سمت لهزل مجانب
وللّه منه جانب لا يضيعه * وللّهو منه والخلاعة جانب « 1 »
واتّفق أن ضرب الدهر على صماخيه بصمام من الصّمم ، فزاده ثقل تلك الحاسّة خفّة تنشط الرّمم .
فما برح يشرب صرف الهنا من أدنانه ، ويهصر غصن المنى في أفنانه ،
حتى أثّرت في ذوائبه أفاويف الشيب ، ودعاه الدّاعي الذي لا يعترض إجابته الرّيب .
وهو شاعر لشعره حظّ من الحسن ، كأنما تغازله الجفون الوسن .
أثبتّ له ما يهيج الطرب ، ويحلو في الأفواه كما يحلو الضّرب .
فمن ذلك قوله في مراجعة العماديّ المفتي ، وقد كتب إليه قصيدة ، لم أر منها إلا قوله : [ م . الرجز ]
من لي بظبي كحّلت * أجفانه بالسّقم
يفترّ عن ثغر بدا * عذب الثنايا شبم « 2 »
أجرى دموعي في الهوى * كمغدقات الدّيم
وسلّ سيف لحظه * وهزّ قدّ لهذم
واختال في ثوب الصّبا * يسحب كلّ معلم
مصائب ما جمّعت * إلا لقتل المغرم
يا قاتل اللّه الهوى * بدّل دمعي بالدم
فكم له في خلدي * سرائر لم تعلم
وهذا ما رأيته في جوابه : [ م . الرجز ]
هامش
وغيره ، ودرس بالقضاعية الشافعية ، واتفق أن الدهر ضرب على صماخيه بصمام الصمم ، فكأن ثقل تلك الحاسة زادته خفة فكان لا يجتمع إلا ببعض إخوان ألفهم وألفوه ، وخلا بنفسه واشتغل بما هو الأهم من أمر معاشه ومعاده ، وكان له ما يقوم به من وقف أجداده ، وتعاني النظم وكان أكثر ما يميل طبعه إلى الأحاجي ، وله في عملها وحلها اليد الطولى .
وكانت ولادته في صفر سنة أربع وثمانين وتسعمائة ، وتوفي في المحرم سنة سبع وثلاثين بعد الألف ، ودفن بتربتهم الملاصقة لضريح الشيخ أرسلان . ا ه . خلاصة الأثر ( 1 / 299 ) .
( 1 ) البيتان من : العقد الفريد ( 3 / 12 ) .
( 2 ) شبم : يقال ماء شبم : أي بارد . اللسان ، مادة ( شبم ) .