خلقه اللّه للفضل أهلا ، وأشرق به العدى طفلا وكهلا .
فترشّح للعلى ، وتوشّح بتلك الحلا .
وما انفصل عن طلّه الوبل ، وكما تعرفه البراعة من بعد تعرفه من قبل .
بحر علم لا يدرك غوره ، وفلك فضل على قطب الرجاء دوره .
ولم يقنع بالمجاز عن الحقيقة ، حتى تبوّأ البحبوحة من تلك الحديقة .
ولديه من المعلومات ما يشقّ على القلم حشره ، ويتعسّر على الكلم نشره .
وتآليفه تكاثر السحب المواطر ، حشوها فوائد عقلة الأفكار وقيد الخواطر .
وله أشعار أغلبها في الزهد ، إلا أنها في الحلاوة بمثابة الشّهد .
وهو ممن نحوت إلى كعبته ، ورميت نشّاب البراعة من جعبته .
ومضى لي في صحبته حين ، لم أنشق به إلا شمّامات ورياحين .
أسارع إليه مسارعة موفّ لا مقرض ، وأتعرّض إلى خدمته تعرّض مقبل لا معرض .
فأستجلي أحاسن المحاسن ، وتنقاد لي بدائعه ذلل المراسن « 1 » .
وقد انقبض حينا عن الناس ، وعدّ الوحشة من الإيناس .
وانعكف على دواوينه ، وكلف بالعلم وأفانينه .
ثم نبّه جفنه بعض انتباهة ، فطار في أفق الشام بين نزاهة ونباهة .
وسافر ذكره للرّكبان زادا ، كما أقام فضله للوارد عتادا .
وقد ورد القاهرة وأنا بها أماطل الشوق وهو غريم ، وأطلب فيض الدمع وهو كريم .
هامش
والنجم الغزي ، والشيخ محمد بن أحمد الأسطواني ، والشيخ إبراهيم بن منصور الفتال ، والشيخ عبد القادر بن مصطفى الصفوري الشافعي ، والشيخ محمد العيثاوي ، وغيرهم
وابتدأ في قراءة الدروس وإلقائها والتصنيف لما بلغ عشرين عاما ، وأدمن المطالعة في كتب الشيخ محي الدين بن العربي ، وكتب السادة الصوفية ، وشرع في إلقاء الدروس بالجامع الأموي في عدة فنون . وصدرت له في أول أمره أحوال غريبة وأطوار عجيبة ، واستقام في داره الكائنة بقرب الجامع الأموي في سوق العنبرانيين مدة سبع سنوات لم يخرج منها . وارتحل أولا إلى دار الخلافة فاستقام بها قليلا ثم إلى البقاع وجبل لبنان ثم إلى القدس والخليل ، ثم ذهب إلى مصر ومن ثم إلى الحجاز ، ثم إلى طرابلس الشام .
وتآليفه ومصنفاته كثيرة جدا . وكانت وفاته في شعبان سنة ثلاث وأربعين ومائة وألف ، ودفن بالقبة التي أنشأها في صالحية دمشق . ا ه . سلك الدرر ( 3 / 30 ) .
( 1 ) المراسن : جمع مرسن : الأنف . اللسان ، مادة ( ر س ن ) .