فما القلب يصفو إذ تزيد همومه * ولا الشمس تبدو إذ يحيط غمامها
فلا زلت تبقى كلما رنّح الصّبا * غصونا وقد غنّى عليها حمامها
مدى الدهر ما أهدى لبيب رسالة * لروضة فضل فاح منها بشامها
فأجابه بقوله : [ الطويل ]
أروضة زهر جاد سحّا غمامها * فأهدى لنا نشر العبير خزامها « 1 »
أم الرّاح في الأقداح لاحت فأسكرت * فؤادي ولمّا فضّ منها ختامها
تطوف بها ذات الوشاح خريدة * يروقك مرآها ويحلو كلامها
مريضة أجفان اللّحاظ سليمة * وما صحة الأجفان إلّا سقامها
مثقّلة الأرداف خفّ وشاحها * مرنّحة الأعطاف لدن قوامها
مضمّنة من ذي وفاء قصيدة * بليغة ألفاظ بديع نظامها
أخي فطنة رقّت وراقت عذوبة * فللّه منها لطفها وانسجامها
أطاعته أبكار المعاني وعونها * بفضل فأضحى في يديه زمامها
وذلك فضل اللّه يؤتيه من يشا * ويمنحه نفسا عزيزا مرامها
تحاول منّي أن أردّ جوابها * وفكرتي استولى عليها قتامها
وقد لعبت أيدي المشيب بمفرقي * وتوّجني درّا يسوء انتظامها
رعى اللّه أيام الشباب وعهده * وأوقات أنس ليت عمري عامها
وحيّى لييلات مضت وتصرّمت * ليالي أنس صبحا ظلامها
يغازلني فيها أغنّ مهفهف * لواحظه وسط الفؤاد سهامها
وبتّ يعاطيني كؤوس حديثه * فللّه من خمر حلال حرامها
وطورا يحيّيني بوردة خدّه * وآونة من خمر فيه مدامها
فريقته نفس الشّمول وثغره * حباب لها يطفو ومن فيه جامها
وقد عفت أبيات القريض ونظمه * وقوّض من بين الفؤاد خيامها
ولكن بحمد اللّه جادت قريحتي * وما خلت يوما أن تجود جهامها
فدونكها يا ابن الكرام بديعة * تؤمّ ذرى ناديك يهدى سلامها
ودم وابق ما أنشا بليغ قصيدة * تضوّع مسكا بالثّناء ختامها
هامش
( 1 ) الخزامى : نبت طيّب الريح . اللسان ، مادة ( خزم ) .