مكان القول فيه ذو سعة ، والألسنة كلها على مدحه مجتمعة .
فمن يتقدّم فليقل ما شاء في وصف شمائله ، وحقّ على المدح أن يتباهى بمخائل خمائله .
وحسبك من امرئ لم تر له ذامّا ولا شانيا « 1 » ، ولا ذاكرا يعلم اللّه أن له في الفضل ثانيا .
فقد جمع إلى كرم أصله ، أعظم مزيّة من باهر فضله .
فقضى الحقّ الواجب عليه ، واستدعى حيازة التّفضيل بالحجّة إليه .
فالدّرّ ينثر من يديه وفيه ، والخير مجموع لديه وفيه .
وهو ريّان من كل فنّ ، سمح من غير تبجّح ومنّ .
مجلسه يأرج أرج الزّهر ، وسماحه يفيض فيض النّهر .
وعينه في اكتساب المحامد ممنوعة السّنات ، وصحيفة وجهه كلها قربات وحسنات .
وهو وحيد الدهر في الأدب وفريده ، والمعيّة الذي وفّى البلاغة كلّ ما تريده .
ببنان قد قبض على أزمّة البيان ، ولسان قد امتطى صهوة الإحسان .
وله من النظم بدع جلائل ، إلا أنها في العدد قلائل .
والنجوم أجلّها أعلاها ، والمعادن أقلّها أغلاها .
فمن شعره قوله : [ الخفيف ]
إن يكن زاد في الحسان جمال * أكّد الحسن فيهم تأكيدا
فلقد أسّس العذار بخدّي * منيتي رونقا ولطفا مزيدا
وهو عمري لا شك أزهى وأبهى * حيثما قد أفاد معنى جديدا
هامش
الحسن بن محمد البوريني في أنواع العلوم ، وعليهما تخرج في الأدب ، وأخذ الحديث عن الشهب الثلاثة النيرة أحمد : العيثاوي الشافعي ، وأحمد الوفائي الحنبلي ، وأحمد المقري المالكي .
وبرع حتى أعاد لوالده في تفسير ( الكشاف ) ولازم المولى عبد اللّه بن محمود العباسي ، ودرس بالمدرسة النورية الكبرى برتبة الداخل . وحج مرتين ثانيتهما قاضيا بالركب الشامي ، وسافر إلى الروم عقب موت والده .
وكانت ولادته في سنة اثنتي عشرة بعد الألف ، ولحقه الفالج في آخر عمره فاستقر مريضا به مدة سنة ونصف وتوفي في ربيع الثاني سنة ثمان وسبعين وألف ، ودفن بمقبرة باب الصغير في قبر والده . ا ه . خلاصة الأثر ( 1 / 23 ) .
( 1 ) شانيا : بمعنى معيبا ، والشين : هو العيب . اللسان ، ج 13 / 244 .