ولا شك أن المعطوف على الجزاء جزاء ، فيحتاج حينئذ إلى بيان وجه لزوم الجزاء للشرط ، وتسبّبه عنه .
والذي يظهر في وجهه ، أن معنى « قام الماء » أن الماء جمد تحيّرا وخجلا واستعظاما ، لمّا رأى عظيم سخائه ، وشاهد عميم جوده وعطائه .
وقد صرّح بتفسير ذلك في البيت الذي بعده حتى صار جليّا ، بحيث يصلح أن يكون استئنافا بيانيّا ، أعني قوله « 1 » : [ الكامل ]
جمد القطار ولو رأته كما رأى * بهتت فلم تتبجّس الأنواء
إذ الضمير في قوله : « كما رأى » يعود إلى القطار .
والمراد بالقطار ، هو الماء المذكور في البيت الذي قبله ، كما لا يخفى ، وإلّا لم تظهر المناسبة والاتّصال .
هذا ما خطر بالبال .
وأما ما استفدناه من تجويز كون الواو للحال ، فذلك الوجه الوجيه ، تنحسم به مادّة الإشكال ، واللّه سبحانه أعلم بحقيقة الحال .
ومن عجيب الاتّفاق أنه وقع ما هو قريب من هذا الاستشهاد في تفسير بيت عويص ، عرض من هذه القصيدة على سبيل الاستطراد ، وهو قوله : [ الكامل ]
لا تكثر الأموات كثرة قلّة * إلا إذا شقيت بك الأحياء « 2 »
محصّل ما حكاه الواحديّ من كلام ابن جنّيّ ، في تفسير البيت ، أنه على حذف مضاف ، تقديره « شقيت بفقدك » .
والمعنى ، أنه لا تصير الأموات أكثر من الأحياء إلّا إذا متّ .
واستبعد الواحديّ أن أحدا يخاطب ممدوحه بمثل هذا . ومحصّل ما ذكره الواحدي في معنى البيت ، أنه أراد بالأموات القتلى ، وتقدير المضاف المحذوف شقيت بفضلك وقتلك إياهم .
والمعنى ، إذا غضبت على الأحياء ، زادت الأموات بمن ينقصهم قتلك من الأحياء .
وفي كلّ من الوجهين تعسّف لا يخفى ، ولكن يشهد لقول ابن جنّيّ حكاية أبي عمر السّلميّ ، قال : عدت أبا علي الأوراجيّ ممدوح المتنبّيّ ، في علّته التي مات فيها بمصر ، فأنشدني قوله فيه : « لا تكثر الأموات » إلخ ، ثم لم يزل يكرّره ويبكي حتى مات .
هامش
( 1 ) ديوان المتنبي 1 / 147 .
( 2 ) ديوان المتنبي 1 / 151 .