في حدّ ما وراءه مطمع ، ولا يتقرّط بمثل خبره مسمع . إلى تقوى باطنه معمور ، وقناعة موطنه ببركاته مغمور . وإيثار بما ملك ، ووقار يتبعه أنّى سلك .
توازن به السحب الهواطل إذا حبا ، ولا ترضى أن تشبهه الجبال الرّوازن إذا احتبى .
صحبته بالرّوم فشاهدت ملكا في صورة إنسان ، مطبوعا على الخير فلا يشاب بشرّ ولا يشان .
فعاشرته محبّا له محبّة الصحابيّ للسّنّة ، وفارقته فتلهّفت عليه تلهّف آدم على الجنّة .
أنسى الأيام وأذكره ، وأذكر مكارمه فأشكره .
وهاجر آخر أمره إلى مكة ، فكان بها سحابا ماطرا ، ونسيما إذا هبّ هبّ عاطرا .
فأقبل أكثر أهلها عليه ، وسلّموا زمام انقيادهم إليه .
ووردوا مشرع وفاقه ، وانتظموا في سلك رفاقه .
ثم لم يلبث أن دعاه الكريم إلى داره ، فتولّاه عفوه بمنهلّه ومدراره .
وكان أملى عليّ من أشعاره قطعا سهلة ، ربما حفظتها لجودتها من أول وهلة .
فلم أعلّقها في دفتر اعتمادا على الحفظ منّي ، ولم أدر أن الأيام وشواغلها تنفّرها عنّي .
ثم وقفت له بمكة على قصيدة فتعلّقت بها وجعلتها من المعلّقات ، وأنا من عهدها شغف بترديدها حرصا على تذكّر تلك العلاقات .
والقصيدة هي هذه ، قالها في مدح الشريف أحمد ، وأخيه الشريف سعد ابني زيد ، وهما بدار الخلافة :
خليليّ إيه عن حديث صبا نجد * وإن حركت داء قديما من الوجد
فآها على ذاك النّسيم تأسّفا * وآه على آه تروّح أو تجدي
عليلة أنفاس تصحّ نفوسنا * معطّرة الأردان بالشّيح والرّند « 1 »
هامش
جملة فنون وأطلعه على أسرار علمه المكنون حتى نال منه غاية الأمل . ثم توطن حلب وأخذ بها عن عالمها محمد بن حسن الكواكبي المفتي بها وأقام علة بث العلم ونشره في غالب أوقاته .
وله من التآليف الشافية نظم الكافية ، وشرح على البردة وغيرهما . وسافر إلى الروم في سنة ست وثمانين وألف . ودرس بالمقدمية التي بحلب ثم بعد مدة ملّ الإقامة بحلب فقصد الحج بنية المجاورة ، وأقام بمكة مجاورا حتى توفي سنة ثمان وتسعين وألف ودفن بالمعلاة بالقرب من مزار أم المؤمنين السيدة خديجة رضي اللّه عنها ، وكانت ولادته في سنة ثمان وثلاثين وألف . ا . ه .
خلاصة الأثر ( 4 / 208 ) .
( 1 ) الأردان : مفردها الرّدن : أصل الكم . القاموس . مادة ( ردن ) .