والآخر ، هو أن نبي اللّه سليمان عليه السلام ، كان يجلس هو وأصحابه ، ويقول للريح : أقلّينا . وللطير : أظلّينا . ويستشعر أصحابه السكون والسكوت ؛ فشبّهوا بجلساء سليمان الذين لا يتحركون ، والطير تظلّهم من فوق رؤوسهم .
ويقال للرجل الحليم إنه يساكن الطير ، أي أن طائره لا ينفر من سكونه .
أخاف سباع الطير من سوط رأيه * فكادت لفرط الخوف تلقي المخالبا
ولو أدرك المجنون أيام حكمه * لأعرض عن ليلى وأصبح تائبا
منها :
خبير بتحقيق العلوم مدقّق * إذا جال في بحث أراك العجائبا
وإن نثرت يمناه في الطّرس لؤلؤا * كتبنا على تلك اللآلي مطالبا
وذيلتها برسالة وهي : أقسم بمن جلّت عظمته ، وعلت كلمته . وسخّر القلوب للمودّة ، وصقل بالمحبة الخواطر المستعدّة . إنني أشوق إلى لثم يد مولاي من الروض إلى الغمام ، ومن السّاري إلى تبلّج القمر في الظلام .
وقد كانت حالتي هذه وأنا جاره ، فكيف الآن وقد بعدت عنّي داره .
وليست غيبته عني إلا غيبة الروح ، عن الجسد البالي المطروح .
ولا العيشة بعد فراقه الجاني ، إلا كما قال البديع الهمذاني :
عيشة الحوت في البرّ ، والثلج في الحرّ .
وليس الشوق إليه بشوق ، وإنما العظم الكسير ، والنّزع العسير ، والسّمّ يسري ويسير ، والنار تشوي وتطير .
ولا الصبر عنه بصبر ، وإنما هو الصّاب والمصاب ، والكبد في يد القصّاب ، والنفس رهينة الأوصاب « 1 » ، والحين الحائن وأين يصاب .
وقد كتبت إلى مولاي هذه القصيدة ، وأنا لا أحسبها من الإحسان بعيدة .
وهذا الكتاب ، وقد أنفقت عليهما مدة من العمر ، وصرفت على تحريرهما حينا من الدهر .
وكتبتهما وأنا مستغرق في ذكرك ، مشغول بحمدك وشكرك .
ذاكر عهدك ، ومقامي عندك .
في أوقات ألذ مّن قبل الغيد ، وأشهى من اجتلاء الخدود ذات التّوريد .
حيثما العيش أخذ طلقه ، واستوفى من الأماني حقّه .
وأنت تقرّط « 2 » سمعي بفوائدك ، وتملأ صدفة أذني بلآلي فرائدك .
هامش
( 1 ) الأوصاب : مفردها وصب . المرض . القاموس مادة ( وصب ) .
( 2 ) تقرط : قرّط تقطع . القاموس . مادة ( قرط ) .