أتعبت من لا يعقل العتب والوفا * ولا همّه شيء فيخشى العواقبا
وإن ضنّ لم يسمح بمثقال ذرّة * ولم يبق موهوبا ولم يبق واهبا
ولا جنّة تغنيك إن كان مانعا * ولا منزل يؤويك إن كان طالبا
أحاول شكواه فألقى نوائبا * تهوّن عندي منه تلك النوائبا
ولن يسبق الأقدار من كان سابقا * ولن يغلب الأيام من كان غالبا
ومن صحب الدنيا ولو عمر ساعة * رأى من صروف الدهر فيها العجائبا
وقفر كيوم الحشر أو شقّة النوى * يضلّ القطا أعملت فيه النجائبا
وليل كقلب السامريّ قطعته * إلى أن حكى بالفجر أسود شائبا
وما كنت أرضى بالنوى غير أنني * جدير بأن لا أرتضي الذل صاحبا
فنظّمت من درّ المعاني قلائدا * جعلت قوافيها النجوم الثواقبا
ويممّت أقصى الأرض في طلب العلا * ولم أصطحب إلا القنا والقواضبا « 1 »
فلاقيت في الأسفار كل غّريبة * ومن يغترب يلق الأمور الغرائبا
وخلّفت من يرجو من الأهل أوبتي * كما انتظر القوم العطاش السحائبا
وكم قائل لا قرّب اللّه داره * ومن يتمنّى لو بلغت المطالبا
فعدت على رغم الفريقين سالما * ولم أقض من حقّ الفضائل واجبا
وحسبي وجود ابن الحجازيّ نائلا * به لم أزل ألقى المنى والمآربا
فتى قد جهلت العسر منذ عرفته * ولانت لي الأيام عطفا وجانبا
وأصبح يلقاني العدوّ مسالما * وقد كاد يلقاني الصديق محاربا
منها :
فراسته تغنيك عن ألف شاهد * تريه من الأشياء ما كان غائبا
وقور كأن الطير فوق جليسه * ترى الدهر منه خائف الدهر راهبا
في قولهم : « كأنما على رؤوسهم الطير » توجيهان :
أحدهما : أنهم لا يتحرّكون فصفتهم صفة من على رأسه طائر يريد أن يصيده ، فهو يخاف إن تحرّك طيران الطير وذهابه .
هامش
( 1 ) القواضب : جمع قاضب . السيف القطاع . القاموس . مادة ( قضب ) .