تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 324

مساهمون:

ص٣٢٤
ولي فؤاد إلى المخالطة شيّق ، وصدر يسع همّ الدنيا وهو ضيّق . فنزلت منه بحيث ملتقى الصدر الرّحب والمحيّا الوسيم ، وحلّيت بقلبه حلول المسرة وهببت في روض أخلاقه هبوب النسيم . وكان لي من مجلسه نضرة الرّيحان ، ونفحة الروض وطرب الألحان . أشيم خضرة ترفّ في زهرة حسن ، وأجتلي روضة في ناظر ونجوى في أذن . وهو أناله اللّه من كرمه أفضل إنالة ، لا يقترح على الأيام مطلب إلا قال : أنا له . إلا أن له حبائل تعتلقه ، ومطامع لم تزل تعتلقه . فعوادي الأيام عليه ملحّة مكبّة ، وبواعث صفوها مريحة مغبّة . وهو من بعد الهمة ، ووساوس الشدة المدلهمّة . في قسوة سدّت عليه طريقا ومنهجا ، وآيسته من أن يلقى مفرجا ومخرجا . فأبى له التخيّل ، إلا التصنّع والتحيّل . فدبّر أمرا تحرّاه ، ونسب فيه إلى أنه افتراه . وكان سهوه فيه أكثر من تيقّظه ، ووقعه أقرب إليه من تحفّظه . فخرج متحسّبا إلى مصر ، وهو زميل همّ مبرّح وإصر . ثم عدل الحقيقة عن المجاز ، وتوجّه إلى مثابة الحجاز . فحجّ البيت الحرام وعاد ، ودخل بلده وهو من توفّر الحظّ على ميعاد . فلم يلبث حتى مدّ عنان النظر ، وتدرّج إلى حال أفضت به للأمر المنتظر . وسبب ذلك أنه وقع بحلب غلا ، نهض به سعر الأشياء وعلا . وكان حاكمهم العرفيّ سارع إليهم مدده ، وتوفّرت لعنايتهم أنصاره وعدده . فانجذبت إليه قلوب الخاصة والعامة ، وصاروا يحوطونه من سمة النقص بالكلمات التامة . واتفق أن الحجازيّ دعاه ليلة إليه ، فلما مضى عنده لم يستقر حتى حقّت المنيّة عليه . فنسبوه إلى أنه اقتدح في هلكه زندا وريّة ، وسقاه الحمام كأسا رويّة . ولما خرجوا بجنازته ليودعوه القبر ، رأوا الحجازيّ أمامهم فلم يملكهم عن قتله الصبر . وشغلوا عن الرّثاء بطلب الثار ، ولم يجدوا مثلها فرصة تخمد هذا العيب المثار .
نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 324 | محمد أمين المحبي