ولي فؤاد إلى المخالطة شيّق ، وصدر يسع همّ الدنيا وهو ضيّق .
فنزلت منه بحيث ملتقى الصدر الرّحب والمحيّا الوسيم ، وحلّيت بقلبه حلول المسرة وهببت في روض أخلاقه هبوب النسيم .
وكان لي من مجلسه نضرة الرّيحان ، ونفحة الروض وطرب الألحان .
أشيم خضرة ترفّ في زهرة حسن ، وأجتلي روضة في ناظر ونجوى في أذن .
وهو أناله اللّه من كرمه أفضل إنالة ، لا يقترح على الأيام مطلب إلا قال : أنا له .
إلا أن له حبائل تعتلقه ، ومطامع لم تزل تعتلقه .
فعوادي الأيام عليه ملحّة مكبّة ، وبواعث صفوها مريحة مغبّة .
وهو من بعد الهمة ، ووساوس الشدة المدلهمّة .
في قسوة سدّت عليه طريقا ومنهجا ، وآيسته من أن يلقى مفرجا ومخرجا .
فأبى له التخيّل ، إلا التصنّع والتحيّل .
فدبّر أمرا تحرّاه ، ونسب فيه إلى أنه افتراه .
وكان سهوه فيه أكثر من تيقّظه ، ووقعه أقرب إليه من تحفّظه .
فخرج متحسّبا إلى مصر ، وهو زميل همّ مبرّح وإصر .
ثم عدل الحقيقة عن المجاز ، وتوجّه إلى مثابة الحجاز .
فحجّ البيت الحرام وعاد ، ودخل بلده وهو من توفّر الحظّ على ميعاد .
فلم يلبث حتى مدّ عنان النظر ، وتدرّج إلى حال أفضت به للأمر المنتظر .
وسبب ذلك أنه وقع بحلب غلا ، نهض به سعر الأشياء وعلا .
وكان حاكمهم العرفيّ سارع إليهم مدده ، وتوفّرت لعنايتهم أنصاره وعدده .
فانجذبت إليه قلوب الخاصة والعامة ، وصاروا يحوطونه من سمة النقص بالكلمات التامة .
واتفق أن الحجازيّ دعاه ليلة إليه ، فلما مضى عنده لم يستقر حتى حقّت المنيّة عليه .
فنسبوه إلى أنه اقتدح في هلكه زندا وريّة ، وسقاه الحمام كأسا رويّة .
ولما خرجوا بجنازته ليودعوه القبر ، رأوا الحجازيّ أمامهم فلم يملكهم عن قتله الصبر .
وشغلوا عن الرّثاء بطلب الثار ، ولم يجدوا مثلها فرصة تخمد هذا العيب المثار .
نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 324
مساهمون: محمد أمين المحبي
ص٣٢٤