فجمع اللّه به شمل المكارم في قطره ، وأحيا به الأرض الموات إذا ضنّ سحابها بقطره .
إلا أن فيه عجلة تلزمه الحجّة ، وشراسة تضيّق عليه المحجّة .
فإذا تكدّر لا يرجى له صفو ، وإن سخط لا ينتظر له عفو .
وأما القراءة فله منها ما تحصّل ، ولكن له شعر تدرّج به إلى الوصف بالأدب وتوصّل .
وقد أثبتّ له ما يروقك رواؤه ، ويغنيك عن ماء الغدران إرواؤه .
فمنه قوله ، من قصيدة يمدح بها البهاء ، لما كان قاضيا بحلب ، أولها :
ألا منجد في أرض نجد من الوجد * فما عند أهليها سوى لوعة تجدي
وقفت بها مستأنسا بظبائها * كما يأنس الصبّ المتيّم بالوجد
أسائل عمّن حلّ بالجزع والحمى * وأنشد عمنّ جاز بالأجرع الفرد « 1 »
خليليّ إن الصدر ضاق عن الجوى * فلا تعجبا من طفرة النار بالزّند
ففي الجسم من سعدى جروح من الأسى * وفي القلب من أجفانها كلّ ما يعدي
بثغر يزيد الوقد من خمرة اللّمى * وصدغ يثير الوجد من جمرة الخدّ
تقرّب لي باللّحظ ما عزّ دركه * وتنفر عمدا كي تصاد على عمد
تلاعب في عقل الفحول بطرفها * ملاعبة الأطفال من غرّة المهد
رمت مهجتي أهدابها عن تعمّد * نبالا فزادت من توقّدها وقدي
دنوت إليها وهي لم تدر ما الهوى * وما علمت ما حلّ بي من هوى نجد
فقلت أما لي من رضابك رشفة * معلّلة أروي بها غلة الوجد « 2 »
وهل للتّداني علّة أستمدّها * وأبذل في إنجاز وصلتها جهدي
فقالت أما يكفيك وعدي تعلّة * لقلبك فاقنع يا أخا الودّ بالوعد
ولا ترج مهما تقصد النفس نيله * فإن الرزايا في متابعة القصد
ولا تستمح من كلّ خدن وصاحب * إخاء فقد يفضي الإخاء إلى الزهد
فما كل إنسان تراه مهذّبا * ولا كلّ خلّ صادق الوعد والعهد
هامش
( 1 ) الأجرع : الأرض ذات الحزونة تشاكل الرمل . اللسان مادة ( جرع ) .
( 2 ) الرضاب : الريق . اللسان مادة ( رضب ) .