وماذا يبتغي الشعراء منّي * وقد جاوزت حدّ الأربعين « 1 »
فأظهر تلك البيضا في صنعة الشعر ، وسحر بالبداهة والمعهود أن يبطل السحر .
فكان قلمه كعصا سميّه ثعبان البيان ، يتلقف ما تلقيه سحرة البلاغة بين اللسان والبنان . [ المتقارب ]
إذا جاء موسى وألقى العصا * فقد بطل السحر والساحر « 2 »
ثم حجب بصره وكفّ ، فأصبح لشرفه محمولا على الأكفّ .
وهو في الشعر يوازن شاعر معرّة النّعمان ، لكنه منزّه الفطرة عن معرّة العميان .
فمن غرائبه قصيدة ، أرسلها إلى دمشق ، لأحمد شاهين ، ضمن كتاب ولم يذكر اسمه ، وأرسله مع من يجهل حدّه ورسمه .
والقصيدة مطلعها قوله : [ البسيط ]
بانوا فحدّث عن الأحباب يا طلل
ومن جملتها :
أنّى توجّهت الأظعان أين سروا * من في الهوادج ماذا وارت الكلل
عن يمنة الحيّ أم عن يسره ظعنوا * أم شمالا أم جنوبا سارت الإبل
بانوا وفي العين منهم منظر حسن * وفي الفؤاد كلوم ليس تندمل
فلما وصل الكتاب إلى الشّاهينيّ ، سأل ناقله عن مرسله ، فلم يزده على أنه رجل من أشراف حلب .
فأجابه الشاهينيّ بهذه الأبيات ، وأرسلها مع ناقل الكتاب : [ الطويل ]
ومن عجب دون العجائب عاجب * كتاب أتانا ليس يعزى لكاتب
كتاب كريم حيث ألقي بيننا * طربنا وقلنا من أجلّ مكاتب
وأذكرنا لما أتانا منكّرا * سليمان إذ لم تحظ منه بصاحب
وقلنا كريم من كريم وإنني * لعرفان منشيه لأطلب طالب
على أنه قبلا سليمان لم يكن * ليكتب إلا واسمه غير غائب
فراجعه بقصيدة طويلة ، قال في آخرها : [ البسيط ]
إن ابن شاهين لا تنسى صنيعته * لو أنها نصف بيت خطّ بالشعر
هامش
( 1 ) البيت لسحيم بن وثيل الريامي ( الأصمعيات / 19 / ) .
( 2 ) البيت في التمثيل والمحاضرة / 21 / .