تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 238

مساهمون:

ص٢٣٨
فالسيف من جملة خدمه ، والقلم يقوم في خدمته على رأسه عوض قدمه . يكتب فيجعل للأقلام حجّة قاطعة على السيوف ، وينتضي « 1 » سيفه فيقول القلم مالي بارقة في ميدان هذا الحتوف . وإن جرى أدهم « 2 » قلمه في حومة البراعة فهو سبّاق الغايات ، وإن غرّدت حمائم نفثاته « 3 » على غصون أقلامه قيل جاء من الزّمر ما غطّى على النّايات . وهو جواد مبسوط الكفّ ، ما أعرض يوما عن مكرمة ولا كفّ . فجوده يغني عن القطر إذا شمّ الغمام ، ونعمه هي الأطواق والناس الحمام . وكان عصره كابتسام البرق إذا خفق ، والصبح إذا تكشّف عن الشّفق . لم يتعلّق أرج « 4 » الكرم بغير أثوابه ، ولم يتعشّق صبّ الثناء إلا تراب أبوابه . وأهل الأدب يروحون إليه على وجد ويغدون على وجد ، ويتنافسون على مدائح أخلاق خلقن من محض المجد . وهو مع شغله بالمنصب ، وتشتّت فكره بغرض المتعصّب . لا يخلو من مطارحات تدلّ على ندماء مجلسه بإيرادها ، ومناظيم يجلو بها عليهم الحور العين في أبرادها . وشعره مثقف المباني ، له اتّحاد بالمثالث والمثاني . أبرزت منه إلى العيان ، ما هو ألذّ من عزف القيان . فمنه قوله من قصيدة يشتكي فيها من الزمان : [ الخفيف ]
حادي العيس سر بغير ارتياب * ففؤادي قد حنّ للاغتراب لا أريد الأوطان والذلّ فيها * واضعا طوقه بأعلى الرّقاب ولو أنّي قضّيت فيها سرورا * في شبابي لم أكتئب لمصابي بل تولّت نضارة العمر منّي * بين عيش ضنك وفرط اكتئاب فالفرار الفرار من دار هون * تركتني أشكو زمان الشباب وإذا الضّيم ما أقام فأحبب * بجياد تمرّ مرّ السحاب
هامش
( 1 ) ينتضي السيف : يخرجه من غمده . ( نضو ) . ( 2 ) الأدهم : الحصان الأسود ، استعمله هنا للمداد . اللسان مادة ( دهم ) . ( 3 ) نفثاته : قريب من النفخ . اللسان مادة ( نفث ) . ( 4 ) الأرج : طيب الرائحة . اللسان مادة ( أرج ) .
نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 238 | محمد أمين المحبي