فالسيف من جملة خدمه ، والقلم يقوم في خدمته على رأسه عوض قدمه .
يكتب فيجعل للأقلام حجّة قاطعة على السيوف ، وينتضي « 1 » سيفه فيقول القلم مالي بارقة في ميدان هذا الحتوف .
وإن جرى أدهم « 2 » قلمه في حومة البراعة فهو سبّاق الغايات ، وإن غرّدت حمائم نفثاته « 3 » على غصون أقلامه قيل جاء من الزّمر ما غطّى على النّايات .
وهو جواد مبسوط الكفّ ، ما أعرض يوما عن مكرمة ولا كفّ .
فجوده يغني عن القطر إذا شمّ الغمام ، ونعمه هي الأطواق والناس الحمام .
وكان عصره كابتسام البرق إذا خفق ، والصبح إذا تكشّف عن الشّفق .
لم يتعلّق أرج « 4 » الكرم بغير أثوابه ، ولم يتعشّق صبّ الثناء إلا تراب أبوابه .
وأهل الأدب يروحون إليه على وجد ويغدون على وجد ، ويتنافسون على مدائح أخلاق خلقن من محض المجد .
وهو مع شغله بالمنصب ، وتشتّت فكره بغرض المتعصّب .
لا يخلو من مطارحات تدلّ على ندماء مجلسه بإيرادها ، ومناظيم يجلو بها عليهم الحور العين في أبرادها .
وشعره مثقف المباني ، له اتّحاد بالمثالث والمثاني .
أبرزت منه إلى العيان ، ما هو ألذّ من عزف القيان .
فمنه قوله من قصيدة يشتكي فيها من الزمان : [ الخفيف ]
حادي العيس سر بغير ارتياب * ففؤادي قد حنّ للاغتراب
لا أريد الأوطان والذلّ فيها * واضعا طوقه بأعلى الرّقاب
ولو أنّي قضّيت فيها سرورا * في شبابي لم أكتئب لمصابي
بل تولّت نضارة العمر منّي * بين عيش ضنك وفرط اكتئاب
فالفرار الفرار من دار هون * تركتني أشكو زمان الشباب
وإذا الضّيم ما أقام فأحبب * بجياد تمرّ مرّ السحاب
هامش
( 1 ) ينتضي السيف : يخرجه من غمده . ( نضو ) .
( 2 ) الأدهم : الحصان الأسود ، استعمله هنا للمداد . اللسان مادة ( دهم ) .
( 3 ) نفثاته : قريب من النفخ . اللسان مادة ( نفث ) .
( 4 ) الأرج : طيب الرائحة . اللسان مادة ( أرج ) .