حتى دهمتهم داهمة ابن جانبولاذ ، وتضعضع منهم ركن يحتمى به في الدهر ويلاذ .
عندها أقلع إلى إدلب فكأنما دعاه إليه الأجل ، ومضى إلى اللّه تعالى على وجه السرعة والعجل .
وقد جئت من شعره بما هو أحلى في الأفواه من الشّهد ، وأشهى إلى العيون من النوم بعد السّهد .
فمن ذلك قوله ، من قصيدة : [ الكامل ]
أمعذّبي رفقا بصبّ مغرم * أضحى كمثل ابن السبيل الغارم
فلقد جعلت الدمع وقفا جاريا * يحتار منه ذو البكاء الدائم
فاعجب لدمعي سائلا متصدّقا * وا عجب لواقفة المقيم الهائم
هل أنت راحم ما ترى يا متلفي * من حالتي أم أنت لست براحم
فلقد جرى ما قد كفى ولقد كفى * ما قد جرى من مدمعي المتلاطم
يا ربّ ليل طائل ما تحته * من طائل غير العناء اللازم
مدّت به طنب الظلام فلا ترى * إلّا نجوما في سواد فاحم « 1 »
فكأنها عطشى فتشرب ما بدا * من فجره شرب النّزيف الحائم « 2 »
لو لم يكن فرع الحبيب مشبّها * بسواده لغدوت أبلغ شاتم
قاسيت فيه كلّ هول هائل * وركبت منه كل متن قاتم
حتى بدا ضوء الصباح كأنه * إشراق وجه محمّد بن القاسم
وقوله ، وهو من بدائعه : [ الطويل ]
كأنّ الدجى ظرف على الصبح موكأ * ولكن لطول الامتلا والبلى انفلق
فسال فغطّى أنجما ما تعلّمت * لقصر المدى سبحا فأدركها الغرق
قلت : لقد أجاد ، وإن كان تناوله من قول ابن تميم : [ الكامل ]
انظر إلى الصبح البديع وقد بدا * يغشى الظلام بمائه المتدفّق
غرقت به زهر النجوم وإنما * سلم الهلال لأنه كالزورق
هامش
( 1 ) الطنب : الحبل يربط به الخباء . مادة ( طنب ) .
( 2 ) الحائم : الشديد العطش . اللسان مادة ( حوم ) .