وها أنا ذا أورد منها ما نلتزمه ونترك عنك درر البحور ، فإن بها زينة الصدور ، وتلك بها زينة النّحور .
وكل ما أذكر له إما تشبيه زهرا وزهر ، أو وصف روض يطلّ على نهر .
وهو ممّن أغري بهذين النوعين ، فأتى منهما بجمل متكاثرة ، ونظم فيها بدعا أضحت لها عقود التّرائب متناثرة .
وذلك إما لميل غريزيّ في فطرته ، أو لأن دمشق متروّح فكرته .
وحسبك من طبع لو كان للسحب صيّرت الزمان فصل الربيع ، وفكرة لو كانت للنجوم السّيّارة جرين سعدا أكبر في التّربيع .
ويكفيك من متروّح تنفتح العين منه على بهجة ونضارة ، ومسرح ينجلي القلب منه بجدّة وغضارة .
فمن ذلك مقامته الربيعيّة ، كتبها للأمير حمزة الدّفتريّ ، بدمشق ، وقد احتوت على معظم تشبيهات الزهور . وهي : [ الطويل ]
إلى روضة الآداب ريحانة النّدّ * تحايا حفاظ حرّكتها يد الودّ
فجاءت كأنفاس الرّياح تسحّبت * على رشحات الطّلّ من وجنة الورد
هذا ، وقد عنّ للخاطر يا سيدي أن يزفّ إليك بوادره ، ويجلي عليك نوادره .
إذ لا بد للنفوس أن تمرح ، وللنّوادر أن تستباح وتستملح .
وقد أشعرت أني دفعت إلى مناجاة الفكر الفاتر ، عند قلة المحادثة والمناظر .
فخاطبني في ابتكار النّخب ، وأغراني بافتراع أبكار الأدب .
وقال : ما تقول في دعابة تقلّص ذيل الوقار ، وتزري بأكؤس العقار .
فقلت : إيه ، يا نبيه . ثم لزمت الإصاخة لتلقّيه .
فسلك بي طريقا من الواهمة ، كأنما أعدّه لهذه المنادمة .
فأفضى إلى روض مندّى ، كأنما تجلّل بالنعيم وتردّ .
وقد فرشت ملاءة النّور على ميادينه ، وحرشت أيدي النّسيم بين رياحينه .
يخترقه نهر كأنما يسيل من درّة ، أو ترقرق من عبرة .
وعليه درّ من الفواقع منظوم ، وبسماطيه وشي من الأزاهر مرقوم .
فمن نرجس نعته الفتور ، وورد كأنّما انتزع من أوجه الحور .