ومعاشر ما شان صدق وفائهم * نقض العهود ولا الوداد مراء
ما كنت أحسب قبل يوم فراقهم * أن سوف يقضى بعد ذاك بقاء
فسقى ربى وادي دمشق وجادها * من هاطل المزن الملثّ حياء « 1 »
فيها أهيل مودّتي وبتربها * لجليل وجدي والسّقام شفاء
ورعى ليالينا التي في ظلّها * سلفت ومقلة دهرنا عمياء
أترى الزمان يعود لي بإيابها * ويباح لي بعد البعاد لقاء
فإلى متى يا دهر تصدع بالنّوى * أعشار قلب ما لهنّ قواء « 2 »
وتسومني فيك المقام بذلّة * ولهمّتي عمّا تسوم إباء
فأجابني لولا التّغرب ما ارتقى * رتب العلا من قبلك الآباء
فاصبر على مرّ الخطوب فإنما * من دون كلّ مسرّة ضرّاء
واترك تذكّرك الشآم فإنما * دون الشآم وأهلها بيداء
وقوله من قصيدة في المدح ، مستهلها : [ الرمل ]
شام برقا لاح بالأبرق وهنا * فصبا شوقا إلى الجزع وحنّا
وجرى ذكر أثيلات النّقا * فشكا من لاعج الشوق وأنّا « 3 »
دنف قد عاقه صرف الرّدى * وخطوب الدهر عمّا يتمنّى
شفّه الشوق إلى بان اللّوى * فغدا منهمل الدمع معنّى
أسلمته للرّدى أيدي الأسى * عندما أحسن بالأيام ظنّا
طالما أمّل إلمام الكرى * طمعا في زورة الطّيف وأنّى
كلّما جنّ الدجى حنّ إلى * زمن الوصل فأبدى ما أجنّا
وإذا هبّ نسيم من ربى * حاجر أهدى له سقما وحزنا
يا عريبا بالحمى لولاكم * ما صبا قلبي إلى ربع ومغنى
كان لي صبر فأوهاه النّوى * بعدكم يا جيرة الحيّ وأفنى
قاتل اللّه النّوى كم قرّحت * كبدا من ألم الشوق وجفنا
هامش
( 1 ) الملث : المقيم . اللسان مادة ( لثث ) .
( 2 ) قواء : الأصل : قوى : جمع قوة ، وإنما مد المقصور للقافية .
( 3 ) النقا : الخصر النحيل الدقيق الذي ليس فيه لحم كثير . اللسان مادة ( نقا ) .