ففوّقت إليه سهامها لواحظ الظنون ، وقدما قيل أرض صيدا تنبت العيون .
وهو صاحب فكر حديد ، وأدب وافر مديد .
فاضل ملء إهابه ، وعارف بإيجاز الأدب وإسهابه .
وله كتاب « ألحان الحادي ، في المراجع والمبادي » استحسنت من شعره فيه قطعة ، رأيتها في مفازة وحدها منقطعة . وهي قولي من قصيدة : [ الطويل ]
إذا أنكرت دعوى المحبّ شهوده * فحسبي أنّي في الغرام شهيده
فللّه شوق لا يقرّ قراره * من البعد حتى ماله من يعوده
وقد ملّه عوّاده وهو مدنف * حليف جوى صبّ الفؤاد عميده
رعى اللّه أياما تقضّت بقربهم * ومن لي بذاك القرب من ذا يعيده
أيا عاذلي عمّن نعيمي وعده * ونار جحيمي بعده ووعيده
ولم يتعطّف بالوصال لمغرم * وقد طال منه هجره وصدوده
فهذا ملامي مسمعي لا يريده * وهذا غرامي لا أزال أروده
وإن كادني دهري بجور زمانه * تخلّصت منه بالذي عمّ جوده
قولي : « وقدما قيل : أرض صيدا تنبت العيون » ، إشارة إلى قول ابن السّاعاتيّ « 1 » ، وقد هرب غلام ، فأمر أن يمرّ في نرجس صيدا : [ مخلع البسيط ]
للّه صيداء من بلاد * لم تبق عندي همّا دفينا
نرجسها حيلة الفيافي * قد طبّق السهل والحزونا
وكيف ينجو بها هزيم * وأرضها تنبت العيونا
ومما يهزّني إلى الطرب فصل لابن شاهين ، في وصف صيدا ، قال فيه :
وأما صيدا ، فإنها بين البلاد أسد البيدا .
وما أدري كيف يذمّها بعض الناس ، وأهلها يعوّذونها من شرّ الوسواس الخنّاس ولعمري إنها بلدة لولا حرارة مائها وهوائها ، وبرودة أوضاعها وأبنائها .
لكانت جنّة المأوى ، في الدنيا والأخرى .
اللهم إنا نسألك الإنصاف ، ونعوذ بك من التعصّب والاعتساف .
وكيف يشتم الإنسان بلدة إذا جلب إليها الماء يكتسب حرارة ، وإذا استجلب إليها العذب السائغ ينقلب إلى عفوصة « 2 » ومرارة .
هامش
( 1 ) ديوان ابن الساعاتي ( 1 / 168 ) .
( 2 ) العفوصة : رديفة للمرارة يقال : طعام عفص : بشع وفيه مرارة ، يعسر ابتلاعه . اللسان مادة ( عفص ) .