تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 114

مساهمون:

ص١١٤
فانصرف الشيخ منكسر القلب ، مغتاظا من الثّلب « 1 » ، وهو أخسّ من ابن بنت الكلب . فالتفت إلى المسكينة ، وقد سلبه الغيظ ثوب السّكينة . وقال لها : إن شئت أن تكدّي فكدّي ، لا ذقت شعيرة ما دمت عندي . فبقيت المملوكة حائرة ، لا قائمة ولا سائرة . فقال لها العلّاف : لا تجزعي من خياله ، ولا تلتفتي إلى سباله . ولا تنظري إلى نفقته ، ولا يكن عندك أخسّ من عنفقته . هذا الأمير عز الدين ، سيف المجاهدين . أندى الغمام ، وأمضى من الحسام ، وأبهى من البدر ليلة التّمام . لا يردّ سائلا ، ولا يخيّب آملا . فلما سمعت المملوكة الكلام ، جذبت اللّجام ، ورفست الغلام ، وقطعت الزّمام ، وشقت الزّحام ، حتى طرحت خدّها على الأقدام ، ورأيك العالي والسلام . وله من رسالة كتبها إلى منصور الطبيب الغزواني ، يشكو إليه علة لزمته ، وبردا وقع في ذلك العام ، خارجا عن معتاد الشام : [ الخفيف ]
أنا أصبحت لا أطيق حراكا * كيف أصبحت أنت يا منصور « 2 »
قد طالت العلّة ، وطابت العزلة . فليس في الحركة ، هذا الآن بركة . والانقطاع ، أربح متاع ، والاجتماع جالب الصّداع . والاختلاط ، محرّك الأخلاط . والوحشة استئناس ، وأجمع للحواسّ . فهو زمان السكوت ، وملازمة البيوت ، وأوان القناعة بالقوت ، وذلك قوت من لا يموت . والحرّ حرّ ، وإن مسّه الضرّ . فوطؤه خفيف ، وضالته رغيف . [ الوافر ]
هامش
( 1 ) الثلب : اللوم والعيب . اللسان ، مادة ( ثلب ) . ( 2 ) البيت لأبي فراس الحمداني في يتيمة الدهر 1 / 66 .