فانصرف الشيخ منكسر القلب ، مغتاظا من الثّلب « 1 » ، وهو أخسّ من ابن بنت الكلب .
فالتفت إلى المسكينة ، وقد سلبه الغيظ ثوب السّكينة .
وقال لها : إن شئت أن تكدّي فكدّي ، لا ذقت شعيرة ما دمت عندي .
فبقيت المملوكة حائرة ، لا قائمة ولا سائرة .
فقال لها العلّاف : لا تجزعي من خياله ، ولا تلتفتي إلى سباله .
ولا تنظري إلى نفقته ، ولا يكن عندك أخسّ من عنفقته .
هذا الأمير عز الدين ، سيف المجاهدين .
أندى الغمام ، وأمضى من الحسام ، وأبهى من البدر ليلة التّمام .
لا يردّ سائلا ، ولا يخيّب آملا .
فلما سمعت المملوكة الكلام ، جذبت اللّجام ، ورفست الغلام ، وقطعت الزّمام ، وشقت الزّحام ، حتى طرحت خدّها على الأقدام ، ورأيك العالي والسلام .
وله من رسالة كتبها إلى منصور الطبيب الغزواني ، يشكو إليه علة لزمته ، وبردا وقع في ذلك العام ، خارجا عن معتاد الشام : [ الخفيف ]
أنا أصبحت لا أطيق حراكا * كيف أصبحت أنت يا منصور « 2 »
قد طالت العلّة ، وطابت العزلة .
فليس في الحركة ، هذا الآن بركة .
والانقطاع ، أربح متاع ، والاجتماع جالب الصّداع .
والاختلاط ، محرّك الأخلاط .
والوحشة استئناس ، وأجمع للحواسّ .
فهو زمان السكوت ، وملازمة البيوت ، وأوان القناعة بالقوت ، وذلك قوت من لا يموت .
والحرّ حرّ ، وإن مسّه الضرّ .
فوطؤه خفيف ، وضالته رغيف . [ الوافر ]
هامش
( 1 ) الثلب : اللوم والعيب . اللسان ، مادة ( ثلب ) .
( 2 ) البيت لأبي فراس الحمداني في يتيمة الدهر 1 / 66 .