تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 117

مساهمون:

ص١١٧
فما كل شجرة تحلو لذائقها ، ولا كل دار ترحّب بطارقها . ومن أبق عن مولاه مغاضبا ، وجانب إحسانه الذي لم يكن له مجانبا . يجد من مفارقة معاهد الإحسان ، ما يجده من مفارقة معاهد الأوطان . ويكون ذنب عقابه فيه ، وكم عبد أبق من مواليه . وقد روي مرفوعا عن سيّد الأمة : « أيّما عبد أبق فقد برئت منه الذّمّة » . وبالجملة فقد حصل لنا بذهابه غاية المسارّ ، و : [ الوافر ]
إذا ذهب الحمار بأم عمرو * فلا رجعت ولا رجع الحمار « 1 »
وله يصف فتى : حسنه يملأ القلوب والصدور ، وليس البدر إلا أن فيه حسنا تلاشت في دقائقه البدور . ريم من الروم ، خادم مخدوم . قد كساه الزمان ملابس جماله ، ووهبه الأوان محاسن كماله . [ الطويل ]
بديع جمال كل ما زاد ناظري * به نظرا زادت محاسنه حسنا
جرى فيه ماء النعيم والهيف ، وتحكّم فيه تيه الحسن والصّلف . باه بقدّه ، زاه بورديّ خدّه . ألصق بالقلب ، من علائق الحبّ . [ الخفيف ]
كلّما لاح وجهه بمكان * كثرت زحمة العيون عليه
ذو قدّ ميّاد ميّال ، يبدي الملال والدّلال . يتمايل من خمر الصّبا ، تمايل الغصن إذا أمالته الصّبا . ويتصرّف مع القلوب ، كتصرّف السحاب مع الجنوب . فهو ألطف من نسيم الشّمال ، على أديم الماء الزّلال . [ الوافر ]
كأن حديثه خلس التّشاكي * مع الأحباب أو قبل الوداع
قد حلّ بالشام ، فازدهرت به ازدهار الخدّ بالوشام . وغرّدت أطيارها ، وتمايلت طربا أشجارها . وتدانت ولا تداني المحبّين ، وتعانقت ولا تعانق العاشقين . وأحداق الحدائق باهت في رياض جماله ، والأغصان تاهت في لين قدّه واعتداله . أسفر فرأيت البدر طالعا من أطواقه ، وأقبل بحلة كأنما صبغت من دم عشّاقه .
هامش
( 1 ) البيت في التمثيل والمحاضرة 345 .