فما كل شجرة تحلو لذائقها ، ولا كل دار ترحّب بطارقها .
ومن أبق عن مولاه مغاضبا ، وجانب إحسانه الذي لم يكن له مجانبا .
يجد من مفارقة معاهد الإحسان ، ما يجده من مفارقة معاهد الأوطان .
ويكون ذنب عقابه فيه ، وكم عبد أبق من مواليه .
وقد روي مرفوعا عن سيّد الأمة : « أيّما عبد أبق فقد برئت منه الذّمّة » .
وبالجملة فقد حصل لنا بذهابه غاية المسارّ ، و : [ الوافر ]
إذا ذهب الحمار بأم عمرو * فلا رجعت ولا رجع الحمار « 1 »
وله يصف فتى :
حسنه يملأ القلوب والصدور ، وليس البدر إلا أن فيه حسنا تلاشت في دقائقه البدور .
ريم من الروم ، خادم مخدوم .
قد كساه الزمان ملابس جماله ، ووهبه الأوان محاسن كماله . [ الطويل ]
بديع جمال كل ما زاد ناظري * به نظرا زادت محاسنه حسنا
جرى فيه ماء النعيم والهيف ، وتحكّم فيه تيه الحسن والصّلف .
باه بقدّه ، زاه بورديّ خدّه .
ألصق بالقلب ، من علائق الحبّ . [ الخفيف ]
كلّما لاح وجهه بمكان * كثرت زحمة العيون عليه
ذو قدّ ميّاد ميّال ، يبدي الملال والدّلال .
يتمايل من خمر الصّبا ، تمايل الغصن إذا أمالته الصّبا .
ويتصرّف مع القلوب ، كتصرّف السحاب مع الجنوب .
فهو ألطف من نسيم الشّمال ، على أديم الماء الزّلال . [ الوافر ]
كأن حديثه خلس التّشاكي * مع الأحباب أو قبل الوداع
قد حلّ بالشام ، فازدهرت به ازدهار الخدّ بالوشام .
وغرّدت أطيارها ، وتمايلت طربا أشجارها .
وتدانت ولا تداني المحبّين ، وتعانقت ولا تعانق العاشقين .
وأحداق الحدائق باهت في رياض جماله ، والأغصان تاهت في لين قدّه واعتداله .
أسفر فرأيت البدر طالعا من أطواقه ، وأقبل بحلة كأنما صبغت من دم عشّاقه .
هامش
( 1 ) البيت في التمثيل والمحاضرة 345 .