إنه أبرع من سبك لفظا مع معنى ، وأرقّ من أراد أن يشعر فغنّى .
وهو من رقّة العشرة ، يكاد يدخل في القشرة .
ومن خفّة الرّوح ، مع الذّرّ في الهواء يروح .
ومضى عليه زمن لا يعرف الصّحو ، ولا يفرّق بين الإثبات والمحو .
وهو في قيد الرّقّ ، يجمع بين العود والزّقّ .
هذا ، وعهده يرفّ ماؤه ، ويشفّ عن النّضرة نماؤه .
وتتألّق غرّته ، وتشرق أسرّته .
والعيش كما يدريه ، على ما يطيب يجريه .
حتى فلّ الدّهر شبا « 1 » شبيبته ، ومحا من لوح الوجود محاسن جبهته .
هناك ألجمه الشّيب بلجامه ، فنكّب لا يلوي على كاسه وجامه .
وقد وقفت بخطه على أشعار له ألذّ من الماء القراح ، وأطيب من النّسيم حفّت به لذّات الرّوح والرّاح .
فذكرت منها ما ينوب الرّيّقين : الروض ، والصّبا ، ويغني عن الرّائقين : الرّيق ، والصّهبا .
فمن ذلك قوله من قصيدة مستهلّها : [ الخفيف ]
في فؤادي من الخدود لهيب * جنّة طاب لي بها التّعذيب
صحوتي من هوى الحسان خمار * وشباب بلا تصاب مشيب
داوني باللّحاظ فالحبّ فينا * دار بلوى بها السّقام طبيب
لفؤادي من لحظة السّخط سهم * هي من قسمة الهوى لي نصيب
كلّ قلب له الصّبابة داء * ألف الدّاء فالحكيم رقيب
محنة الحبّ عندنا دار بلوى * فلها من قلوبنا أيّوب
هكذا حاكم الهوى فلديه * من ذنوب لنا تعدّ القلوب
لو بدا للوجود يوسف حسن * ضمّه من قلوبنا يعقوب
لا تلمني سدى فمدمن خمر ال * حبّ في ملّة الهوى لا يتوب
في لحاظ الظّباء آية سحر * قد تلاها على العقول الحبيب
هامش
- يستحقه من سمو الشان ، ثم ظهر بعض الظهور ، واختلط ببعض أصحاب الفهم ، وطرح التكلف ، وامتحن بلعب الشطرنج على عادة الأذكياء ، وكان ماهرا في لعبه ، وكان كثير النظم ، وله ديوان يوجد في أيدي الناس .
وكانت ولادته في سنة ثمان بعد الألف ، وتوفي سابع شهر ربيع الأول سنة ثمان وستين وألف .
ا . ه . خلاصة الأثر ( 3 / 273 )
( 1 ) شبا شبيبته : حدّ شبابه . انظر اللسان ، مادة / شبا / ، و / شبب / .