وإلا فأنت أعلم بالحال ، وما فيها من ضروب المحال ، والاختلال ، والاعتلال ، والاضمحلال ، والابتذال .
ولقد قرأت في أخبار بعض الأخيار ؛ أن بعض الأدباء الأرباء ، كتب إلى بعض الأمراء النّجباء .
يستهديه من طرائف خراسان ، ويلوّح بالإحسان ، من فضل ذلك الإنسان .
فكتب إليه ذلك الأمير العريض الجاه ، سقى الله ثراه ورضي عنه وأرضاه :
أمّا بعد ، فقد وصل كتابك ، معرّضا بطرائف هذه النّاحية ، وقد بعثت إليك بعدل صابون لتغسل عنّي طمعك ، والسلام .
قلت : وفي هذه الحكاية تسلية للشيخ الذي رضاه قريب الغاية ، وتلافيه لا يحتاج لشدّة عناية ، لوجود الكفاية .
لأنّه ربّما يكتفى في الهديّة ، ببلغة حامديّة أو أحمديّة .
فيغسل طمعه رطل صابون ، ويدفع عطشه وعد الكمون ، وهو حرّ قانع بالدّون » .
وله من رسالة كتب بها إلى أبي العباس أحمد المقّريّ ، ذلك الإمام اللّوذعيّ العبقريّ ، يذكر فيها موت ولد له صغير :
« لا أوحش الله مولانا الأستاذ ، ممّا سيعرض على سمعه من عجري وبجري ، ومن حديثي وغريب سمري .
وهو أنّ اللّه سبحانه وله الحمد ، قد جعل رونق معاشي ، وريحانة فؤادي من غير تنفيس مهلة ذخر معادي ، ومشرد رقادي .
وقد مات للحجّاج ولد ، وكان بيضة البلد .
فصعد متن المنبر ، وحمد اللّه وشكر وأكثر .
ثم قال ويده على كبده ، من حرّ ما يجده :
الحمد للّه الذي يقتل أولادنا ونحمده .
ونظر أبو الحارث ، وكان مشوّه الخلق في المرآة ، فقال : الحمد لله الذي لا يحمد على المكروه سواه .
وها أنا يا سيّدي ، أحمد اللّه سبحانه ، وقد فقدت جزء نفسي ، وفلذة كبدي ، وشطر روحي ، ونور عيني .
وما أسفي إلّا على ما سمّاه الشيخ باسمه ، ووسمه بوسمه .
وأرّخ مولده ، وحمد مصدره ومورده .
وقد عراني بسببه الذّهول ، وأنا في سنّ الكهول .
ولولا ذاك لما أغفلت خدمة سيّدي إلى الآن ، من رسالة أستجلب بها شرفا طارفا ، كما استفدت في الفوز بخدمته مفخرا سالفا » .
نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 65
مساهمون: محمد أمين المحبي
ص٦٥