لأتبصّر أن أقول مثلا : اذهب الأعمى . أن يكون عبارة عن طرد المخاطب ضمنا ، وقد تقرّر أن المخاطب يدخل في عموم كلامه لا أن المخاطب يدخل فيما خوطب به .
ولو علمت قبل ، ما عدت بعد : [ الخفيف ]
لست أشكو من امتناعك عنّي * يا منى النّفس حيث عزّ الإياب
سوء حظّي أنالني منك هذا * فعلى الحظّ لا عليك العتاب
وأحرى بقول القائل « 1 » : [ الطويل ]
إذا لم تكن حاجاتنا في نفوسهم * فليس بمغن عنك عقد الرّتائم
حلفت ولم أترك لنفسك ريبة * وليس وراء اللّه للمرء مطلب « 2 »
إني لا قابلت إحسانك بكفر ، ولا أسأت أدبا فيما صنعته في خدمتك بأن أتبعه بمنّ .
ولك عندي اليد البيضاء التي لا أقبضها عن الدّعاء لك ، والأخرى التي لا أبسطها بالدّعاء عليك .
وها أنا أشكو إليك ، جعلني اللّه فداك ، ما لا يمكن الإيضاح به ، ولا الصّراحة عنه ، ولا التّوصّل بالاستيفاء ، ولا التّسلّط بالاستحضار عليه ، ولا التّجمّل بالإغضاء ولا البيان لما فيه ، ولا التّمحّل له .
وربّما ذكرت البعض منه ، وقلت : لعلّي كنت شائما سرابا ، أو مستمطرا جهاما « 3 » ، أو رائيا خلّبا ، أو واردا حيث لا مراد ، أو مستعينا حيث لا معين ، أو مستغيثا حيث لا مغيث ، أو مستجيرا حيث لا مجار ، أو مستميحا حيث لا سماح ، ولك المثل الأعلى ، [ الكامل ] :
لا تعجبوا ضربي له من دونه * مثلا شرودا في النّدى والباس
فاللّه قد ضرب الأقلّ لنوره * مثلا من المشكاة والنّبراس « 4 »
ولو كان رمحا واحدا لاتّقيته * ولكنّه رمح وثان وثالث
فهل كنت كالمقتدي بناقضة الغزل ، أو كالمستصحب سراة لملمّة فإذا هم عزل .
أو كراض من الغنيمة بالإياب ، ومن المركب بالتّعليق ، أو كراجع بخفّي حنين .
هذا ، وأنا أقول : لن تضرّ الحوار وطأة أمّه .
بيد أنّه يقال ، فيما تقدّم ومضى من المدد الخوال : [ الكامل ]
فقسا ليزدجروا ومن يك حازما * فليقس أحيانا على من يرحم « 5 »
هامش
( 1 ) البيت في اللسان ( رتم ) ( 12 / 225 ) بدون نسبة .
( 2 ) البيت للنابغة الذبياني ، وهو في ديوانه ( التوضيح والبيان ) ( 56 ) .
( 3 ) الجهام : السحاب لا ماء فيه . القاموس المحيط ، مادة ( جهم ) .
( 4 ) البيتان لأبي تمام ، انظر ديوانه ( 174 ) وفيه : « لا تنكروا » .
( 5 ) البيت لأبي تمام : انظر ديوانه ( 274 ) وفيه : « لتزدجروا » .