وله من رسالة إلى بعض حواشيه ، يعاتبه على نقيصة قذف بها بحر واشيه :
« اعلم ، أصلحك اللّه ، أن خبر السّوء ينمو ويربو ، ويبلغ متراكما متضاعفا ، ويصل متواترا مترادفا .
ثم إنه في السّرعة يقطع مسافة سنة في جمعة ، وذلك أن الشرّ أغلب في الطّباع ، والهوى كما يعلم به القاضي شفيع مطاع .
والنفس أميل إلى العقوق ، وإضاعة الحقوق .
والعقرب ، إلى الشرّ أقرب .
والأفعوان « 1 » ، بعيد من مراتب الإحسان .
ومن وزن المعروف في غير ميزانه ، عوقب بنقصانه ، وعدم رجحانه .
ولعمري لولا أن الخبر يحتمل سامرين ، ويتردّد بين شفتين .
لأوجعت القاضي عتبا ، ونهبت أديمه نهبا ، وأخذت كلّ سفينة غصبا .
كأن القاضي سمع قولهم : [ الطويل ]
إذا أنت لم تنفع فضرّ فإنّما * يراد الفتى كيما يضرّ وينفع « 2 »
فعمل بمعناه ، وتمسك بفحواه ، ونسي أولاه وأخراه .
قال الصّاحب لأبي سعيد الرّستميّ حين جفاه : [ الكامل ]
فلعلّ تيما أن تلاقي خطّة * فتروم نصرا من بني العوّام « 3 »
القاضي ، وإن كان يحتاج إلى ما هو أوضح في العتاب ، من هذا الخطاب .
تقريبا لفهمه ، وتوضيحا لعلمه .
ولكن هو كما قال أبو الطيب « 4 » : [ البسيط ]
وكلمة في طريق خفت أعربها * فتهتدي لي ولم أقدر على المحن
وإنّما نهجت على سنني في البلاغة ، وسبيلي في الخطابة والكتابة .
وهو أصلحه اللّه تعالى على سننه في الجفا ، وقلّة الوفا ، ووقوفه من الصّدق في الصّداقة على شفا ، وحسبي الله تعالى وكفى » .
وكان بينه وبين أبي الطّيّب الغزّيّ مودّة ومصافاة ، ثم أعقبها مقاطعة ومجافاة .
فكتب إليه هذه الاعتذاريّة النابغة ، وهي كما تراها تهزأ باعتذارات النّابغة .
هامش
( 1 ) الأفعوان : الذكر من الأفعى . المصباح المنير ، مادة ( أفعى ) .
( 2 ) البيت ينسب إلى النابغة ، فقيل : الذبياني ، وقيل الجعدي ، انظر شرح الشواهد للعيني ( 2 / 204 ) ، شعر النابغة الجعدي ( 246 ) ، وينسب أيضا لقيس بن الخطيم ، ولعبد الأعلى بن عبد الله بن عامر ، ولعبد الله بن معاوية .
( 3 ) ديوان قيس بن الخطيم ( 170 ) ، وانظر هامشه .
( 4 ) انظر تيمية الدهر ( 3 / 305 ) .