فتحقّقت أن مبديه من أولي الألباب ، القادرين على الإتيان بكلّ عجب عجاب .
وأن فكرته تتّقد كالزّهر في الدجى ، فتوضّح السّبل لأهل الحجا .
وأنه المتصرّف في الدّقائق كيف شاء ، وذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء « 1 » : [ الكامل ]
يا من كساه اللّه أردية العلى * وحباه عطر ثنائها المتضوّع « 2 »
وإذا نظرت إلى محاسن وجهه ال * مسعود قلت لمقلتي فيها ارتعي
وإذا قرين الأذن شهد كلامه * قلت اسمعي وتمتّعي وارعي وعي
وكأنّما يوحى إلى خطراته * في مطلع أو مخلص أو مقطع
لك في المحاسن معجزات جمّة * أبدا لغيرك في الورى لم تجمع
بحران بحر في البلاغة شابه * شعر الوليد وحسن لفظ الأصمعي
شكرا فكم من فقرة لك كالغنى * وافى الكريم بعيد فقر مدقع
وإذا تفتّق نور شعرك ناضرا * فالحسن بين مرصّع ومصرّع
أرجلت فرسان القريض ورضت فر * سان البديع وأنت أفرس مبدع
ونقشت في فصّي الزمان بدائعا * تزري بآثار الرّبيع الممرع
وحويت ما تكنى به طرّا فلم * تترك لغيرك فيه بعض المطمع
غير أن هذا العبد بعد البعد عن المقام ، ألمّ به بعض إلمام .
وهو أن خطأ هذا المحبّ إذ قاد نفسه لحتفه في هوى هذا الحبيب البعيد المنال ، القريب الوبال ، بحسن الدّلال ، كما قال من قال ، وأحسن في المقال :
[ البسيط ]
علمت أن العيون السّود قاتلتي * وأنّ عاشقها لا زال مقتولا
وقد تعشّقتها طفلا على خطاء * ليقضي الله أمرا كان مفعولا
فكأنّ هذا الحبيب طلب هذا المحبّ لمجلس قاضي الهوى ، وديوان أهل الجوى .
وادّعى عليه ، وأحضر حجّته وشاهديه .
وقرّر في دعواه ، بحضرة هذا الصّبّ الذي يهواه .
أنه قد وقع في إقدامه لمحبّتي على خطأ لا صواب ، كيف لا وهو لا يذوق الأري إلا بعد الشّبع من الصّاب .
ولا يمكنه القرب إلا بعد البعد الطويل ، ولا الوصل إلا بعد فراقه لكلّ خليل .
وهذا خطب جليل ، صاحبه إن لم يمت فهو أبدا عليل .
هامش
( 1 ) هذه القصيدة لأبي المنصور عبد الملك بن محمد بن إسماعيل الثعالبي صاحب « يتيمة الدهر » ، وهي في اليتيمة ( 4 / 355 ) .
( 2 ) ضاع المسك وتضوّع وتضيّع ، أي : تحرك فانتشرت رائحته . ا . ه . لسان العرب ، مادة : / ضوع / .