تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة ( دار الكتب العلمية ) — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
يكابد الأشجان بالليل والنهار ، وبعد ذلك إمّا إلى جنّة وإمّا إلى نار . وقلّ محبّ يحصل على حبيبه إلا بعد هذه الأهوال ، وإنفاق الرّوح فضلا عن الأموال . فلا يكن العارف كالرّافض ، لما قال ابن الفارض « 1 » : [ الطويل ]
هو الحبّ فاسلم بالحشا ما الهوى سهل * فما اختاره مضنى به وله عقل وعش خاليا فالحبّ راحته عنا * فأوّله سقم وآخره قتل
هذا كلام سلطان العشّاق ، المقطوع بمعرفته المحبّة على الإطلاق . فعند ذلك نظر القاضي لهذا العاشق ولاطفه خطابا ، وسأل سؤاله فلم يحر جوابا . فكان كما قيل ، في حقّ العاشق الذليل :
وكم من حديث قد خبّأناه للّقا * فلما التقينا صرت أبكم أخرسا
فلما أراد القاضي الحكم عليه ، بما أبدى لديه . قال ربّ الجمال في الحال ، الغير حالّ : وهاك أيّها القاضي شاهدين ، عدلين . مبعدين للرّيب ، مقرّبين لللأرب . وأبدى من سحر العيون ، ما يهتك السّرّ المصون : [ الطويل ]
عيون عن السّحر المبين تبين * لها عند تحريك الجفون سكون إذا أبصرت قلبا خليّا عن الهوى * تقول له كن عاشقا فيكون
ثم قال : وهذا خطّ عذاري ، يوضّح أعذاري . فقال القاضي : حكمت بهذه الحجج ، التي ليس لك منها فرج . فعند ذلك قال المحب ، وقد اشتعل نارا : أيها القاضي : [ الكامل ] « الخطّ زور والشهود سكارى » فكان هذا الجرح عين التّعديل ، وتقوية للدّليل . إذا ثبت هذا فلا شكّ ولا ريب أن العاقل لا يرمي بنفسه في هذه المهاوي ، وإن رمى فهو قطعا لا شك هاوي . وكيف يخاصم من بعضه لبعضه شاهد ، وبعضه حجّة تقطع كلّ خصم معاند . فهذا خطأ ولا صواب ، عند أولي الألباب . فإن قيل : كيف يصحّ أن يشهد البعض على البعض ؟ قلت : هذا له نظير بما سيقع يوم العرض . كما أخبر ربّ العالمين ، في كتابه المبين .
هامش
( 1 ) انظر ديوان ابن الفارض « بشرح البوريني والنابلسي » ( 2 / 86 ) .