يكابد الأشجان بالليل والنهار ، وبعد ذلك إمّا إلى جنّة وإمّا إلى نار .
وقلّ محبّ يحصل على حبيبه إلا بعد هذه الأهوال ، وإنفاق الرّوح فضلا عن الأموال .
فلا يكن العارف كالرّافض ، لما قال ابن الفارض « 1 » : [ الطويل ]
هو الحبّ فاسلم بالحشا ما الهوى سهل * فما اختاره مضنى به وله عقل
وعش خاليا فالحبّ راحته عنا * فأوّله سقم وآخره قتل
هذا كلام سلطان العشّاق ، المقطوع بمعرفته المحبّة على الإطلاق .
فعند ذلك نظر القاضي لهذا العاشق ولاطفه خطابا ، وسأل سؤاله فلم يحر جوابا .
فكان كما قيل ، في حقّ العاشق الذليل :
وكم من حديث قد خبّأناه للّقا * فلما التقينا صرت أبكم أخرسا
فلما أراد القاضي الحكم عليه ، بما أبدى لديه .
قال ربّ الجمال في الحال ، الغير حالّ :
وهاك أيّها القاضي شاهدين ، عدلين .
مبعدين للرّيب ، مقرّبين لللأرب .
وأبدى من سحر العيون ، ما يهتك السّرّ المصون : [ الطويل ]
عيون عن السّحر المبين تبين * لها عند تحريك الجفون سكون
إذا أبصرت قلبا خليّا عن الهوى * تقول له كن عاشقا فيكون
ثم قال : وهذا خطّ عذاري ، يوضّح أعذاري .
فقال القاضي : حكمت بهذه الحجج ، التي ليس لك منها فرج .
فعند ذلك قال المحب ، وقد اشتعل نارا :
أيها القاضي : [ الكامل ]
« الخطّ زور والشهود سكارى »
فكان هذا الجرح عين التّعديل ، وتقوية للدّليل .
إذا ثبت هذا فلا شكّ ولا ريب أن العاقل لا يرمي بنفسه في هذه المهاوي ، وإن رمى فهو قطعا لا شك هاوي .
وكيف يخاصم من بعضه لبعضه شاهد ، وبعضه حجّة تقطع كلّ خصم معاند .
فهذا خطأ ولا صواب ، عند أولي الألباب .
فإن قيل : كيف يصحّ أن يشهد البعض على البعض ؟
قلت : هذا له نظير بما سيقع يوم العرض .
كما أخبر ربّ العالمين ، في كتابه المبين .
هامش
( 1 ) انظر ديوان ابن الفارض « بشرح البوريني والنابلسي » ( 2 / 86 ) .